محمد جواد مغنية
65
في ظلال الصحيفة السجادية
الرّزق ، وأغنانا بفضله ، وأقنانا بمنّه . ثمّ أمرنا ليختبر طاعتنا ، ونهانا ليبتلي شكرنا فخالفنا عن طريق أمره ، وركبنا متون زجره ؛ فلم يبتدرنا بعقوبته ، ولم يعاجلنا بنقمته بل تأنّانا برحمته تكرّما ، وانتظر مراجعتنا برأفته حلما . ( والحمد للّه الّذي أغلق عنّا باب الحاجة إلّا إليه ) قد يقول قائل : كلّ واحد من النّاس يحتاج إلى النّاس إلا أن يعيش في السّماء مع الملائكة بلا غذاء ، وكساء ، أو في الغاب مع الوحوش ، إنّ العلاقات المتبادلة بين أفراد الجماعة تفرضها طبيعة الحياة الاجتماعية ، وعليه يكون الحمد على الغنى عن النّاس حمدا على لا شيء ، بل يستحيل أن يقع . الجواب : أجل ، كلّ من يخوض غمار الحياة يحتاج إلى غيره ، وغيره يحتاج إليه تماما كحاجة كلّ من البائع ، والمشتري إلى الآخر ، وهذا اللّون من التّبادل يسمى تعاونا ، وتكاملا ، والّذي يأكل ولا يعمل ، بل يعيش كلا ، وعالة على الآخرين - فموته خير من حياته ، وعدمه خير من وجوده ، قال عزّ من قائل : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 1 » ومن معاني العدل التّسوية بين رجلين في الأخذ ، والعطاء . وكلام الإمام عليه السّلام بعيد عن العامل ، والبطّال ، ومراده مجرد البيان بأنّ اللّه سبحانه أرشدنا بنور الوحي ، والعقل إلى ما نحتاج إليه من أمور الدّين ، والدّنيا . قال الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام : « إنّ اللّه تعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ، ونصر النّبيين بالبيان « 2 » ،
--> ( 1 ) النّحل : 76 . ( 2 ) انظر ، الكافي : 1 / 13 ، شرح أصول الكافي للمازندراني : 1 / 90 ، تحف العقول : 384 .