محمد جواد مغنية
320
في ظلال الصحيفة السجادية
دنوه منهما ، وعلمه بأنّهما أرأف به من نفسه . ولا غرابة ، إنّها هيبة التّعظيم ، والتّقدير ، لا هيبة الخوف من العقاب العسير ، هيبة الأبوة الّتي لا يشعر بها إلا العارفون . كانت فاطمة عليه السّلام بضعة من النّبي صلّى اللّه عليه واله ، وأحبّ الخلق إلى قلبه ، ومع هذا كانت تقول : « ما استطعت أن أكلم رسول اللّه من هيبتة » « 1 » . ( وأبرّهما برّ الأمّ . . . ) ولا شيء عند الأبوين أغلى ، وأثمن من برّ الابن بهما ، علما بأنّه وفاء لدين سابق . . . ومع هذا يسعدان به سعادة الغارس بثمرات غرسه ، وبهذه السّعادة نفسها يشعر الابن البار إذا تأكد من سعادة أبويه به ، ورضاهما عنه . ( الوسنان ) : من أخذه النّعاس ( وأستكثر برّهما بي وإن قلّ ، وأستقلّ برّي بهما وإن كثر ) الخير منه ضئيل ، وصغير بالغا ما بلغ ، ومنهما جليل ، وكبير وإن كان حبّة من خردل ؟ ! وليس هذا تواضعا ، بل إيمانا ، وعظمة نفس ، وشعورا حيا بمسؤولية التّكليف ، وهو أمره تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ « 2 » ، وكلّ شيء قليل في جنب اللّه ، والشّكر له لمن قرن شكره بشكره . وهكذا العظيم يستصغر الحسنة منه وإن كبرت ، ويستكبر السّيئة وإن صغرت على العكس تماما من الحقير ، وفي الحديث الشّريف : « المؤمن يرى ذنبه كأنّه صخرة يخاف أن تقع عليه ، والمنافق يرى ذنبه كذباب مرّ على أنفه فأطار فذهب » « 3 » . وقال قائل لأحد المتّقين حقا ، رأيت في منامي أنك في الجنّة . فقال له : ويحك أما وجد الشّيطان من يسخر منه غيري ، وغيرك ؟ . أللّهمّ خفّض لهما صوتي ، وأطب لهما كلامي ، وألن لهما عريكتي ،
--> ( 1 ) انظر ، مناقب آل أبي طالب : 3 / 120 ، مجم الزّوائد : 10 / 327 ، نظم درر السّمطين : 190 . ( 2 ) لقمان : 14 . ( 3 ) انظر ، المصنّف للكوفي : 8 / 160 ، كنز العمال : 3 / 699 ح 8501 ، مسند أبي يعلى : 2 / 475 .