محمد جواد مغنية
254
في ظلال الصحيفة السجادية
أللّهمّ لا تدع خصلة تعاب منّي إلّا أصلحتها ، ولا عائبة ، اؤنّب بها إلّا حسّنتها ، ولا أكرومة فيّ ناقصة إلّا أتممتها . بعد ما قال الإمام عليه السّلام : « وهب لي معالي الأخلاق » ضرب مثلا من هذه المكارم ، والمعالي بأسلوب الدّعاء ، وقال : ( ولا ترفعني في النّاس درجة إلّا حططتني عند نفسي مثلها . . . ) ولماذا هذا الرّبط بين درجة العلو ، والرّفعة عند النّاس ، ودرجة الوضع ، والحط عند نفسه ؟ وهل يكره الإمام عليه السّلام الرّفعة ، والسّمعة من حيث هي ؟ الجواب : بل كي لا يرى النّاس أصغر منه ، وقد خلقهم سواسية كأسنان المشط « 1 » كما قال الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه واله الّذي عاش حياة الفقر ، وهو يستطيع أن يحيا حياة الملوك ، والامراء . وهكذا عاش أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام من شجرة النّبوة ، وبيت الرّسالة . وتكلمنا مفصلا ، ومطولا حول هذه الجملة في كتاب بين اللّه والإنسان « 2 » . ( ومتّعني بهدى صالح ) زدني من هداك ما أصلح به أمر آخرتي ، ودنياي ( لا أستبدل به ) غيره ( وطريقة حقّ لا أزيغ عنها ) بل أثبت عليها ، وأضحي في سبيلها بكلّ غال ، وعزيز ( ونيّة رشد لا أشكّ فيها ) أي ومتعني بنيّة صافية خالصة من شائبة الشّك ، والارتياب ( وعمّرني ما كان عمري . . . ) ويومىء هذا إلى أنّ الإمام عليه السّلام لا ينظر إلى الحياة من حيث هي نظرة المتشائم ، أو المتفائل ، بل يقيس حياة
--> ( 1 ) الحديث ورد بلفظ : ( النّاس سواء كأسنان المشط ) . انظر ، سبل السّلام : 3 / 129 ، كنز العمال : 9 / 38 ح 24822 و 24823 ، كشف الخفاء : 2 / 326 ، مسند الشّهاب : 1 / 145 ، نزهة النّاظر وتنبيه الخاطر : 39 ، تحف العقول : 368 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 9 / 30 و : 20 / 199 . ( 2 ) انظر ، كتابه قدّس سرّه المعنون بعنوان ( بين اللّه والإنسان ) ، وقد طبع مرات عديدة ، من قبل دار التّعارف .