محمد جواد مغنية
223
في ظلال الصحيفة السجادية
والإمام عليه السّلام ما فعل شيئا من ذلك ، ولا نقله عنه ناقل ، وإنّما أراد بكلماته هذه الإرشاد والتّنبيه إلى أنّ التّوسل إليه تعالى إنّما يكون بالعمل ، وبذل المجهود ، لا بالكلام ، وطلب الجود فقط من اللّه . . . هذا إلى أنّ مناجاة الإمام عليه السّلام - على وجه العموم - تجسد بشكل واضح علمه الرّاسخ بعظمة اللّه وجلاله ، وفناءه في حبه ، وطاعته ، وانصرافه كلّه إلى اللّه ، واليوم الآخر في كلّ ما يقصد ويقول ، ويفعل ، ولا شيء أصدق في الدّلالة على ذلك من جوابه للحاكم الأموي هشام بن عبد الملك حين قال له : « أطلب حاجتك . فجابهه بهذه الكلمة العاصفة القاصقة . ما طلبت الدّنيا من خالقها حتّى أطلبها من المخلوق » « 1 » ! . وكلّ أئمّة الشّيعة من هذا المعدن ، والجوهر : ما طلبوا الدّنيا حتّى من خالقها ؛ لأنّ دنياهم هي آخرتهم ، وما عملوا إلا للّه ، ولها . ( لم أرفع طرفي إلى آفاق ألسّماء . . . ) هذا كناية عن الخضوع ، والتّذلّل لعزته تعالى ، وكماله ، وإلا فإنّ اللّه في كلّ مكان بعلمه ، وقدرته ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ( وإن كنت تغفر لي حين أستوجب مغفرتك ، وتعفو عنّي حين أستحقّ عفوك فإنّ ذلك غير واجب لي باستحقاق ) . وتسأل : إنّ قول الإمام عليه السّلام في فعل الشّرط : « حين أستوجب مغفرتك ، حين أستحقّ عفوك » ظاهر الدّلالة في أنّ العفو حقّ للتائب ، والمغفرة له واجبة على اللّه تعالى ، وقوله عليه السّلام في جواب الشّرط : « فإنّ ذلك غير واجب لي باستحقاق » صريح في أنّه لا حق للتائب ، ولا وجوب على اللّه أن يقبل ، ويعفو ! فكيف نفى ما أثبت ، ونقض ما أبرم ؟ .
--> ( 1 ) انظر ، مواهب الجليل للحطاب الرّعيني : 2 / 540 .