محمد جواد مغنية

218

في ظلال الصحيفة السجادية

والمرض . ومهما اختلف العلماء ، والفلاسفة في هذا الموضوع فإنّهم يجمعون قولا واحدا - من حيث يشعرون ، أو لا يشعرون - على أنّ الشّيء الّذي يضرك ، أو يضر الآخرين هو شر ، وأنّ ما ينفعك ، وينفع النّاس هو خير ، وأنّ في داخل الإنسان شيئا يدفعه إلى فعل هذا ، وترك ذاك ، بل هو يشعر في كثير من الأحيان بالقلق ، والتّردد بين فعل الشّيء الواحد ، وتركه ، ويوازن بينهما في قرارة نفسه ، ويناقش ما في كلّ منهما من مضار ، ومنافع في نظره ، وعلى هذا الأساس يقدم ، أو يحجم ، فأن أقدم على ما فيه خير ، وصلاح فقد إستجاب لدعوة الرّحمن ، وإن اختار ما فيه شر ، وفساد فقد لبى دعوة الشّيطان كما جاء في عبارة الإمام عليه السّلام . أمّا غيره فيسند عمل الخير إلى منطق العقل ، وفعل الشّرّ إلى الشّهوة ، ونزوة العاطفة ، والفرق في المبنى لا في المعنى ونعوذ باللّه من نفثات الشّيطان ، ومن العاطفة إذا اشتعلت ، فإنّها تطغى بنارها ، ودخانها على الدّين ، والعقل ، وتقود صاحبها إلى كلّ شر ، وسوء ، وهذا العاطفي هو الّذي عناه الإمام عليه السّلام بقوله : لا أحد أبعد غورا في الباطل ، وأشدّ إقداما على السّوء ، أمّا ياء المتكلم هنا فهي كياء إبراهيم الخليل عليه السّلام في قوله : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ « 1 » والمراد هنا المخطىء على وجه العموم دون البريء بحكم البديهة ، ومثلها الياء في قول الإمام عليه السّلام : ( سبحانك ما أعجب ما أشهد به على نفسي ) كلّ من آمن باللّه ، واليوم الآخر لا يعصي اللّه سبحانه بقصد عصيانه ، والعناد له ، بل لشهوة قاهرة ، ونزوة عابرة . . . حتّى إذا ملك عقله تراجع نادما على فعله ، وشهد على نفسه بالخطإ ، والخطيئة ، بل ، وتعجب من إمهال اللّه له ، وإبطائه عن أخذه بجرمه ، وجريرته .

--> ( 1 ) الشّعراء : 82 .