السيد كمال الحيدري
418
شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول )
استشكال ودفعه على أساس ما تقدّم ينبثق استشكال ، كتبه إلى الشيخ الرئيس بعض معاصريه ، مفاده أن لازم ما ذُكر كون النفس مع أنها تعقل نفسها بعلمٍ حضوري عاقلة لكل موجود جوهري آخر أيضاً ؛ وذلك للبرهان المتقدم الذي أثبت ذلك ، فإنَّ النفس مجردة فتكون بالإضافة إلى تعقلها لنفسها عاقلة لجميع المجردات الأخرى ، مع أنَّ هذا الأمر خلاف الضرورة الوجدانية ؛ إذ إنا نجد بوضوح عدم علمنا بجميع الموجودات « 1 » . وقد أجاب الشيخ الرئيس عن ذلك بأنَّ النفس مجردة تجرداً ناقصاً لا تاماً كي يكون بإمكانها تعقّل كل موجود جوهري آخر ؛ إذ قد أقيم البرهان في محله على أنَّ النفس مجردة ذاتاً ومادية فعلًا ، ومن هذه الجهة يكون الانشغال بالبدن مانعاً من تعقل جميع المعقولات الأخرى . نعم عندما تقطع النفس علاقتها بالبدن المادي لتصل إلى التجرد التام تعقل جميع الصور حين ذاك بنحو البساطة والإجمال . ولا يخفى عليك فإنَّ هذا الجواب مبنى على الرؤية المشائية في تفسير حقيقة النفس الذاهبة إلى كونها مجردة حدوثاً وبقاءً ، بخلاف ما يراه صدر المتألهين الذي يعتقد بأنَّ النفس مادية الحدوث روحانية البقاء ، فهي في بداية أمرها مادية ذاتاً وفعلًا ، وتتحول بعد ذلك إلى مجردة ذاتاً لا فعلًا ، إلى أن تصل إلى مرحلة التجرد التام في كلا المقامين . والصحيح وفقاً لمبانى صدر المتألهين أن يقال : بأنَّ « النفس الإنسانية في أوائل نشأتها ليست عقلًا بالفعل ؛ لأنها وإن تجردت عن المادة الطبيعية وصورها الطبيعية لكنها غير مجردة عن الصورة الخيالية . ودلائل إثبات تجردها لا يدلّ أكثرها على أزيد من تجردها عن العالم الطبيعي ، والذي يدلّ
--> ( 1 ) لاحظ : المباحث المشرقية ، فخر الدين الرازي : ج 1 ، ص 373 .