السيد كمال الحيدري
92
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
هذا ما يكشفُ البحثُ عنِ القدرةِ التي عندنا من القيودِ التي فيها ، وهي المبدئيّةُ للفعل ، والعلمُ بأنّه خيرٌ للفاعل علماً يلازمُ كونَه مختاراً في فعله ، والشوقُ إلى الفعل ، والإرادةُ له . وقد تحقّقَ أنّ كلَّ كمالٍ وجوديٍّ في الوجودِ ، فإنّه موجودٌ للواجبِ تعالى في حدِّ ذاتِه ، فهو تعالى عينُ القدرةِ الواجبيّةِ ، لكن لا سبيلَ لتطرّقِ الشوقِ إليه ؛ لكونِه كيفيّةً نفسانيّةً تلازمُ الفقدَ ، والفقدُ يلازمُ النقصَ ، وهو تعالى منزّهٌ عن كلِّ نقصٍ وعدم . وكذلك الإرادةُ التي هي كيفيّةٌ نفسانيّةٌ غيرُ العلمِ والشوقِ ، فإنّها ماهيّةٌ ممكنةٌ ، والواجبُ تعالى منزّهٌ عن الماهيّةِ والإمكان . على أنّ الإرادةَ بهذا المعنى هي مع المرادِ إذا كان المرادُ من الأمورِ الكائنةِ الفاسدةِ ، لا توجَدُ قبلَه ولا تبقى بعدَه ، فاتّصافُ الواجبِ تعالى بها مستلزمٌ لتغيّرِ الموصوفِ ، وهو محالٌ . فتحصّلَ أنّ القدرةَ المجرّدةَ عن النواقصِ والأعدام ، هي كونُ الشيءِ مبدأً فاعليّاً للفعلِ عن علم بكونِه خيراً ، واختيارٍ في ترجيحه . والواجبُ تعالى مبدأٌ فاعليٌّ لكلِّ موجودٍ بذاتِه ، له علمٌ بالنظامِ الأصلحِ في الأشياءِ بذاتِه ، وهو مختارٌ في فعلِه بذاتِه ، إذ لا مؤثّرَ غيرُه يؤثّرُ فيه ، فهو تعالى قادرٌ بذاته . وما أوردناهُ من البيانِ يجري في العقولِ المجرّدة أيضاً .