السيد كمال الحيدري
91
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
إنَّ من المعاني التي نعدّها من الكمالاتِ الوجوديّةِ ، القدرةَ ، ولا تكونُ إلّا في الفعلِ دونَ الانفعالِ ، فلا نعدُّ انفعالَ الشيءِ عن غيرِه ، شديداً كان أو ضعيفاً ، قدرةً . ولا في كلِّ فعلٍ بل في الفعلِ الذي لفاعلِه علمٌ به ، فلا نسمّي مبدئيّةَ الفواعلِ الطبيعيّةِ العادمةِ للشعورِ قدرةً لها . ولا في كلِّ فعلٍ لفاعلِه علمٌ به ، بل في الفعلِ العلميِّ الذي يبعثُ العلمُ به فاعلَه على الفعل ، فليستْ مبدئيّةُ الإنسانِ مثلًا لأفعالِه الطبيعيّةِ البدنيّةِ قدرةً ، وإن كان لهُ علمٌ بها ، بل الفعلُ الذي يعلمُ الفاعلُ أنّه خيرٌ له من حيثُ إنّه هذا الفاعلُ ، بأن يتصوّرَ ويصدّقَ أنّه خيرٌ له من حيثُ إنّه هذا الفاعلُ . ولازمُ العلمِ بكونِ الفعلِ خيراً للفاعلِ أن يكونَ كمالًا له يقتضيه بنفسِه ، فإنّ خيرَ كلِّ نوعٍ هو الكمالُ المترتّبُ عليه ، والطبيعةُ النوعيّةُ هي المبدأُ المقتضي لهُ . وإذا فُرض أنّه عالمٌ بكونِه خيراً له وكمالًا يقتضيه ، انبعثَ الفاعلُ إليه بذاتِه ، لا بإيجابِ مقتضٍ غيرِه وتحميلِه عليه ، فلا قدرةَ مع الإجبار . والقادرُ مختارٌ بمعنى أنّ الفعل إنّما يتعيّنُ له بتعيّنٍ منه لا بتعيينٍ من غيرِه . ثمّ إذا تمَّ العلمُ بكونِ الفعلِ خيراً ، أعقبَ ذلك شوقٌ من الفاعلِ إلى الفعل ، فالخيرُ محبوبٌ مطلقاً ، مشتاقٌ إليه إذا فُقد . وهذا الشوقُ كيفيّةٌ نفسانيّةٌ غيرُ العلمِ السابقِ قطعاً ، وأعقبَ ذلك الإرادةُ ، وهي كيفيّةٌ نفسانيّةٌ غيرُ العلمِ السابقِ وغيرُ الشوقِ قطعاً ، وبتحقُّقِها يتحقّقُ الفعلُ ، الذي هو تحريكُ العضلاتِ بواسطةِ القوّةِ العاملةِ المنبثّةِ فيها .