السيد كمال الحيدري

56

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

وعلى هذا الأساس فلو أخذ الإنسان مطلباً علميّاً ، لوجد أنّ لهذا المطلب العلمي أحكاماً في عالم العقل تختلف عمّا هي عليه في عالم المثال ، وتختلف كذلك عن أحكام عالم المادّة ؛ لأنّ كلّ عالم من هذه العوالم له سنخ أحكام تختلف عن الأخرى . فالمطلب الواحد وإن كان من حيث المحتوى والحقيقة شيئاً واحداً ، إلّا أنّه يختلف من عالم إلى آخر ومن نشأة إلى أخرى . ويُطلق على هذه العوالم مراتب الوجود . ومن الواضح أنّ هذه العوالم والمراتب الوجوديّة معلومة للواجب تعالى . فمرتبة العقل والمثال معلومة للواجب تعالى علماً حضوريّاً ، أمّا مرتبة عالم المادّة فهي غير معلومة للواجب علماً حضوريّاً وإنّما الواجب يعلمها علماً حضوريّاً بمرتبتها المجرّدة في عالم المثال وعالم العقل كما تقدّم وفق مبنى المصنّف . إذا اتّضحت هذه المقدّمة نأتي إلى محلّ الكلام فنقول : إنّ الأشياء في مقام الفعل معلولة للواجب تعالى سواء بالواسطة أم بلا واسطة على اختلاف المباني وتقدّم أيضاً في الأبحاث السابقة أنّ الأشياء في عين أنّها معلولة للواجب فهي معلولة له تعالى بعلم حضوريّ ، وحيث إنّ الموجودات على مراتب متعدّدة كما تقدّم مرتبة العقل ومرتبة المثال ومرتبة المادّة ولكلّ مرتبة من هذه المراتب أحكامها الخاصّة بها ينتج أنّ علم الحقّ تعالى له مراتب متعدّدة تبعاً لمراتب الوجود . فعلم الواجب تعالى بحسب بعض الخصوصيّات يسمّى عناية ، وبحسب خصوصيّات أخرى يسمّى قضاءً ، وباعتبار آخر يسمّى قدراً . إذن العناية والقضاء والقدر من مراتب علمه تعالى ولكلّ مرتبة من هذه المراتب خصوصيّة معيّنة تتميّز بها عن المرتبة الأخرى ، وتفصيل هذه المفاهيم الثلاثة كما يلي :