السيد كمال الحيدري
57
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
الكلام في العناية سيأتي البحث مفصّلًا عن العناية في الفصل السابع عشر ، وحاصل المراد من العناية بنحو الإجمال هو أنّ العناية هي اهتمام الفاعل بفعله ليجعل منه غاية في الإتقان والصُّنع ، وذلك من خلال أخذ الخصوصيّات الممكنة التي لها مدخليّة في إتقان الصنع ، ويقابلها الإهمال . وتقسّم العناية إلى عناية ذاتيّه وهي التي أشار إليها المصنّف في هذا الفصل ، وهي عبارة عن الاعتناء بالفعل قبل تحقّقه . فحيث إنّ العلم الذاتي للواجب تعالى محيط بجميع خصوصيّات أفعاله وما يترتّب عليها من المصالح ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى إنّ هذا العلم الذاتي علّة لجميع أفعاله تعالى ؛ لأنّه عين ذاته ، فعلى هذا الأساس تكون عنايته تعالى عبارة عن علمه الذاتي بخصوصيّات فعله وما يترتّب عليه من المصالح التي تقتضي تحقّق الفعل في غاية الإتقان والصنع . قال صدر المتألّهين : « وأمّا العناية فقد أنكرها أتباع الإشراقيّين وأثبتها أتباع المشّائين كالشيخ الرئيس ومَن يحذو حذوه ، لكنّها عندهم صور زائدة على ذاته على وجه العروض ، وقد علمت ما فيه والحقّ أنّها علمه بالأشياء في مرتبة ذاته علماً مقدّساً عن شوب الإمكان والتركيب ، فهي عبارة عن وجود بحيث ينكشف له الموجودات الواقعة في عالم الإمكان على نظام أتمّ مؤدِّياً إلى وجودها في الخارج مطابقاً له أتمّ تأدية لا على وجه القصد والرويّة . وهي علمٌ بسيط واجب لذاته قائمٌ بذاته خلّاق للعلوم التفصيليّة العقليّة والنفسيّة على أنّها عنه ، لا على أنّها فيه » « 1 » . هذا ملخّص الكلام في العناية ، وسيأتي في الفصل السابع عشر تفصيل ذلك .
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 291 .