السيد كمال الحيدري

39

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

من هنا قال : « إنّ الذي أقيم البرهان على استحالته هو ثبوت الماهيّة مجرّدة عن الوجود أصلًا ، سواء كان وجوداً تفصيليّاً أو وجوداً إجماليّاً ، وأمّا ثبوتها قبل هذا الموجود الخاصّ الذي به تصير أمراً متحصّلًا بالفعل متميّزاً عمّا سواها فلا استحالة فيه . بل الفحص البالغ والكشف الصحيح يوجبانه كما ستعلم ، فهؤلاء العرفاء إذا قالوا : إنّ الأعيان الثابتة في حال عدميّتها اقتضت كذا أو حكمها كذا ، فأرادوا بعدمها العدم المضاف إلى وجودها الخاصّ المنفصل في الخارج عن وجود آخر لغيرها ، لا العدم المطلق ، لأنّ وجود الحقّ ينسجها كلّها ، لأنّ تلك الأعيان من لوازم أسماء الله تعالى ، ولا شكّ أنّ أسماءه تعالى وصفاته كلّها مع كثرتها وعدم إحصائها موجودة بوجود واحد بسيط ، فلم تكن هي معدومات مطلقة قبل وجوداتها العينيّة ، بل المسلوب عنها في الأزل هذا النحو الحادث من الوجود . وبهذا يحصل فرق تامّ وبونٌ بعيد بين مسلك التصوّف ومسلك الاعتزال . وسينكشف لك أنّ هذا المنهج أي منهج العرفاء قريب مِن مذهب مَن رأى مِن الأقدمين ، أنّ علم الباري بالأشياء قبل وجودها ، عبارة عن عقل بسيط أزليّ ، ومع بساطته وأزليّته ووجوبه الذي هو كلّ الأشياء على وجه أعلى وأشرف وأرفع وأقدس ؛ إذ كما أنّ للأشياء وجوداً طبيعيّاً في هذا العالم ، ووجوداً مثاليّاً إدراكيّاً جزئيّاً في عالم آخر ، ووجوداً عقليّاً كليّاً في عالم فوق الكونين ، فكذلك لها وجود أسمائيّ إلهيّ في صقع ربوبيّ ، يقال له في عرف الصوفيّة عالم الأسماء » « 1 » . وهذا ما صرّح به أئمّة هذه المدرسة ، منهم القيصري في مقدّمة شرحه لفصوص الحكم ، حيث قال : « فالماهيّات صور كمالاته ومظاهر أسمائه

--> ( 1 ) المصدر نفسه : ج 6 ص 187 .