السيد كمال الحيدري
62
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
وقرّرَ صدرُ المتألّهينَ ( قدس سره ) البرهانَ على وجهٍ آخرَ ، حيثُ قالَ : « وتقريرُه أنَّ الوجودَ كما مرَّ حقيقةٌ عينيّةٌ واحدةٌ بسيطةٌ ، لا اختلافَ بينَ إفرادِها إلّا بالكمالِ والنقصِ والشدَّةِ والضعفِ ، أو بأمورٍ زائدةٍ كما في أفرادِ ماهيّةٍ نوعيّةٍ . وغايةُ كمالِها ما لا أتمَّ منه ، وهو الذي لا يكونُ متعلّقاً بغيرِه ، ولا يُتصوّرُ ما هو أتمُّ منه ، إذ كلُّ ناقصٍ متعلّقٌ بغيرِه ، مفتقرٌ إلى تمامِه ، وقد تبيّنَ في ما سبقَ أنّ التمامَ قبلَ النقصِ ، والفعلَ قبلَ القوّةِ ، والوجودَ قبلَ العدمِ ، وبُيّن أيضاً أنّ تمامَ الشيءِ هو الشيءُ وما يفضُل عليه . فإذَن : الوجودُ إمّا مستغنٍ عن غيرِه وإمّا مُفتقرٌ بالذاتِ إلى غيرِه . والأوّلُ هو واجبُ الوجودِ ، وهو صِرْفُ الوجودِ الذي لا أتمَّ منه ولا يشوبُه عدمٌ ولا نقصٌ . والثاني هو ما سواهُ مِن أفعالِه وآثارِه ، ولا قوامَ لمِا سواهُ إلّا بِه ، لمِا مرَّ أنَّ حقيقةَ الوجودِ لا نقصَ لها ، وإنّما يلحَقُها النقصُ لأجلِ المعلوليّةِ ، وذلكَ لأنَّ المعلولَ لا يمكنُ أن يكونَ في فضيلةِ الوجودِ مساوياً لعلّتهِ ، فلو لم يكنِ الوجودُ مجعولًا ذا قاهرٍ يوجدُه ويحصّلُه كما يقتضِيه ، لا يُتصوَّرُ أن يكونَ له نحوٌ مِن القصورِ ، لأنَّ حقيقةَ الوجودِ كما علمتَ بسيطةٌ لا حدَّ لها ولا تعيّنَ ، إلّا محضَ الفعليّةِ والحصولِ ، وإلّا لكان فيهِ تركيبٌ أو له ماهيّةٌ غيرُ الموجوديّةِ . وقد مرَّ أيضاً أنَّ الوجودَ إذا كانَ معلولًا ، كان مجعولًا بنفسهِ جعْلًا بسيطاً ، وكان ذاتُه بذاتِه مفتقِراً إلى جاعلٍ ، وهو متعلّقُ الجوهرِ والذاتِ بجاعِله .