السيد كمال الحيدري
30
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
إذا كان الأمر كذلك ، قد يتساءل عن الفرق بين العلم الحضوري بالشيء والعلم الحصولي به ؟ والجواب : إنّ حقيقة كلّ واحد من الأشياء كائنة ما كانت هي عينها الموجودة في الخارج . فحقيقة زيد مثلًا هي العين الإنساني الموجود في الخارج ، وهو الذي يتميّز بنفسه عن كلّ شيء ولا يختلط بغيره ولا يشتبه بشيء من أمره هناك مع من سواه . ثمّ إنّا ننتزع منه معاني ناقلين إيّاها إلى أذهاننا ، نتعرّف بها حال الأشياء ونتفكّر بها في أمرها ، كمعاني الإنسان وطويل القامة والشابّ وأبيض اللون وغير ذلك ، وهي معانٍ كلّية إذا اجتمعت وانضمّت أفادت نوعاً من التميّز الذهني نقنع به . وهذه المعاني التي ننالها ونأخذها من العين الخارجيّة ، هي آثار الروابط التي بها ترتبط بنا تلك العين الخارجيّة نوعاً من الارتباط والاتّصال ، كما أنّ زيداً مثلًا يرتبط ببصرنا بشكله ولونه ، ويرتبط بسمعنا بصوته وكلامه ، ويرتبط بأكفّنا ببشرته ، فنعقل منه صفة طول القامة والتكلّم ولين الجلد ونحو ذلك . فلزيد مثلًا أنحاء من الظهور لنا تنتقل بنحوٍ إلينا ، وهي المسمّاة بالصفات ، وأمّا عين زيد ووجود ذاته فلا تنتقل إلى أفهامنا بوجه ، ولا تتجافى عن مكانها ولا طريق إلى نيلها ، إلّا أن نشهد عين زيد الخارجيّة بنفسها وحقيقتها . وبهذا يظهر أنّا لو شاهدنا عين زيد مثلًا وعلمنا به حضوراً ، فهذا معناه أنّا وجدناه بعينه بوجه مشهوداً ، فهو المعروف الذي ميّزناه حقيقةً عن غيره من الأشياء من غير أن يشتبه بغيره ، ثمّ إذا عرفنا صفاته واحدة بعد واحدة فقد استكملنا معرفته والعلم بأحواله . وأمّا إذا لم نعلم به شهوداً وحضوراً ، وإنّما توسّلنا إلى معرفته بالصفات ، فإنّا لم نعرف منه إلّا أموراً كلّية لا توجب له تميّزاً عن غيره وتوحيداً في نفسه ، كما لو لم نرَ مثلًا زيداً بعينه ، وإنّما عرفناه بأنّه إنسان أبيض اللون طويل القامة ونحوها ، بقي على الاشتراك حتّى نجده بعينه ، ثمّ