السيد كمال الحيدري

60

شرح بداية الحكمة

إصبعاً ، ومن هنا يعلم أن كون الأصابع خمسة مشروط بعدم مادة زائدة ، وأن الأمر بهذا الشرط دائمي الوجود لا أكثريّه ، وأن الأقليّ الوجود مع اشتراط المعارض المذكور أيضاً دائميّ الوجود لا أقليّه ، وإذا كان الأكثري والأقلي دائميين بالحقيقة فالأمر في المساوي ظاهر ، فالأمور كلها دائمية الوجود جارية على نظام ثابت لا يختلف ولا يتخلّف . وإذا كان كذلك فلو فرض أمر كماليّ مترتّب على فعل فاعل ترتّباً دائمياً لا يختلف ولا يتخلف ، حَكَم العقل حكماً ضرورياً فطرياً بوجود رابطة وجودية بين الأمر الكمالي المذكور وبين فعل الفاعل ، رابطة تقضي بنوع من الاتحاد الوجودي بينهما ينتهي إليه قصد الفاعل لفعله ، وهذا هو الغاية . ولو جاز لنا أن نرتاب في ارتباط غايات الأفعال بفواعلها مع ما ذكر من دوام الترتّب جاز لنا أن نرتاب في ارتباط الأفعال بفواعلها وتوقّف الحوادث والأمور على علّة فاعلية ؛ إذ ليس هناك إلا ملازمة وجودية وترتّب دائمي ، ومن هنا ما أنكر كثير من القائلين بالاتفاق العلّة الفاعلية ، كما أنكر العلة الغائية ، وحصَرَ العلية في العلة المادية ، وستجيء [ في الفصل الآتي ] الإشارة إليه . فقد تبيَّن من جميع ما تقدّم : أن الغايات النادرة الوجود المعدودة من الاتفاق غايات دائمية ذاتية لعللها ، وإنما تنسب إلى غيرها بالعرض ، فالحافر لأرض تحتها كنز يعثر على الكنز دائماً وهو غاية له بالذات ، وإنما تنسب إلى الحافر للوصول إلى الماء بالعرض ، وكذا البيت الذي اجتمعت عليه أسباب الانهدام ينهدم على من فيه دائماً ، وهو غاية للمتوقّف فيه بالذات ، وإنما عُدّت غاية للمستظلّ بالعرض ، فالقول بالاتفاق من الجهل بالسبب .