السيد كمال الحيدري
34
شرح بداية الحكمة
ذلك أن تكون الوجودات الرابطة متحققة من غير وجود نفسي مستقل تقوم به ، وهو محال . فالصور الذهنية مثلًا وجودات رابطة بالنسبة إلى وجود النفس ، وما لم تتحقق هذه النفس فلا يمكن أن توجد الصور الذهنية ، فكذلك وجود عالم الإمكان وجود رابط بالنسبة إلى وجود الحق سبحانه وتعالى ، فما لم يتحقّق الوجود المستقل والغني ، لا يعقل أن يتحقّق الوجود الرابط ، فإذا تحقق الوجود الرابط فلابد أن يكون الوجود الغني متحققاً أيضاً . وتعرّض المصنّف في كتاب ) نهاية الحكمة ( لبرهان الفارابي في إثبات استحالة التسلسل ، وهو المعروف ببرهان الأسدّ الأخصر ، وهو أنه لو كان التسلسل في العلل لا إلى نهاية ممكناً ، لما تحقق أي موجود ، والتالي باطل فالمقدّم مثله . وبطلان التالي بديهي لتحقق الموجود ، فالتسلسل في العلل لا إلى نهاية محال . وبيان ذلك : أنه لو اشترط أحدهم أن لا يدخل أي شخص إلى الغرفة إلَّا إذا دخل شخص قبله ، فلا يمكن أن يدخل إلى الغرفة أحد ؛ لأن كل من يريد الدخول إلى الغرفة فإنّ دخوله مشروط بأن يدخل شخص قبله ، والحال أن الدخول إلى الغرفة لا يتحقّق إلَّا في صورة وجود دخول بلا شرط . فإذا كان المعلول بحيث لا يوجد إلَّا إذا سبقته علة ، وكذا علته لا توجد إلَّا إذا سبقتها علة ، فهذه القضية لن تقف حينئذ عند حد ، وبالتالي يلزم على هذا أن لا يتحقّق وجود في عالم الإمكان . وحيث إنّ التالي باطل قطعاً ، للعلم الوجداني بتحقق الموجود ، فالمقدم مثله ، وهو أن هناك موجوداً متحققاً بدون هذا الشرط ، أي بدون أن يكون مسبوقاً بعلة سابقة ، وهو العلة الأولى . وهذا البرهان من أقوى البراهين لإثبات استحالة التسلسل .