السيد كمال الحيدري

310

شرح بداية الحكمة

وليعالج أمثال هؤلاء بإيضاح القوانين المنطقية وإراءة قضايا بديهية لا تقبل الترديد في حال من الأحوال ، كضرورة ثبوت الشيء لنفسه ، واستحالة سلبه عن نفسه ، وغير ذلك ، وليبالغ في تفهيم معاني أجزاء القضايا ، وليؤمروا أن يتعلموا العلوم الرياضية . وهاهنا طائفتان أخريان من الشكّاكين . فطائفة : يتسلّمون الإنسان وإدراكاته ويظهرون الشكّ في ما وراء ذلك ، فيقولون : ) نحن وإدراكاتنا ونشكّ في ما وراء ذلك ( ، وطائفة أخرى : تفطّنوا بم في قولهم : ) نحن وإدراكاتنا ( من الاعتراف بحقائق كثيرة ، من أناسي وإدراكات لهم ، وتلك حقائق خارجية ، فبدّلوا الكلام بقولهم : ) أنا وإدراكاتي وما وراء ذلكّ مشكوك ( . ويدفعه : أن الإنسان ربما يخطئ في إدراكاته ، كما في موارد أخطاء الباصرة واللامسة وغيرها من أغلاط الفكر ، ولولا أن هناك حقائق خارجة من الإنسان وإدراكاته تنطبق عليها إدراكاته أو لا تنطبق ، لم يستقم ذلك بالضرورة . وربما قيل : إن قول هؤلاء ليس من السفسطة في شيء ، بل المراد أن من المحتمل أن لا تنطبق الصور الظاهرة للحواس بعينها على الأمور الخارجية ، بما لها من الحقيقة ، كما قيل : إن الصوت بما له من الهوية الظاهرة على السمع ليس له وجود في خارجه ، بل السمع إذا اتصل بالارتعاش بعدد كذا ، ظهر في السمع في صورة الصوت ، وإذا بلغ عدد الارتعاش كذا ارتعاشاً ظهر في البصر في صورة الضوء واللون ، فالحواس التي هي مبادئ الإدراك لا تكشف عما وراءها من الحقائق ، وسائر الإدراكات منتهية إلى الحواس .