السيد كمال الحيدري

298

شرح بداية الحكمة

فإذا لم تكن المادّة هي المؤثرة لإيجاد الصور المجرّدة ، فيبقى احتمالان آخران ، وهما : الاحتمال الأول : أن تكون النفس هي المحدثة لهذه الصور . فالنفس التي هي بالقوة بالنسبة إلى هذه الصور ، تكون محدثة وموجدة لهذه الصور . وهذا الاحتمال باطل ؛ لأنه لا يمكن لفاقد الشيء أن يكون معطياً له ، فإن النفس بالقوة بالنسبة إلى هذه الصور الكلية . وكون الإنسان حيواناً ناطقاً يعني أن فيه قوة إدراك الكليات ، ولكنه عقل بالقوة لا بالفعل . فلا يمكن أن يكون الشيء بالقوة مخرجاً لنفسه من القوة إلى الفعل ! وإذا كان ذلك محالًا فالنفس ليست هي المحدثة والموجدة للصور الكلية والجزئية . الاحتمال الثاني : يكون أن المحدث والمفيض للصور الكلية هو عقلًا موجوداً مجرّداً عن المادّة ذاتاً وفعلًا ، ومجرداً عن آثار المادة ، وذلك بمقتضى السنخية بين العلة والمعلول . والصور الكلية لما كانت مجرّدة عن المادّة وآثارها ، فعلّتها أيضاً لابدّ أن تكون مجرّدة عن المادّة وآثارها . فالمفيض للصور الكلية هو موجود مجرّد عن المادّة وآثارها ، وما يصطلح عليه في الفلسفة بالموجود المجرّد عن المادّة وآثارها يسمى بالعقل . وأما الصور الجزئية فالمفيض لها هو جوهر مجرّد عن المادّة دون آثارها ، وهو عالم المثال . وتقدم إثبات ذلك في الفصول السابقة ، عند التعرض إلى أن عالم الإمكان ثلاثي : عالم العقل ، والمثال المنفصل ، وعالم الطبيعة والمادة . وذكر المصنّف عبارة تحتاج إلى توضيح ، وهي قوله ) وتتحد معه النفس . . . ( فالنفس تتحد مع العقل المفارق ، وبالاتحاد يحصل لها العلم بالصورة العقلية الكلية ، فما معنى اتحاد النفس مع العقل المفارق ؟