السيد كمال الحيدري

299

شرح بداية الحكمة

الجواب : هو أن هذا العقل المجرّد عن المادّة ذاتاً وفعلًا هو وجود جوهري ، وهذا الوجود الجوهري المستقل ( مقابل الرابط ) يفيض منه وجود آخر مجرّد عن المادّة وآثارها ، ولكنه وجود رابط . والنفس تتحد مع هذا الوجود الرابط لا مع ذلك الوجود المستقل ، وإلا لو اتّحدت مع الجوهر العقلي المستقل لصارت النفس هي ذلك العقل الجوهري ، ومعه لا معنى للقول بأن النفس مستفيضة وأن العقل مفيض . وعليه ، فالمراد من الاتحاد هو أنه يفيض من الجوهر المستقل موجود رابط ، قائمٌ بذلك الجوهر العقلي المستقّل ، والنفس تتّحد مع الوجود الرابط . ومن هنا كان من الأفضل التعبير بالارتباط بدلًا من الاتحاد ، بأن ترتبط النفس مع ذلك الجوهر العقلي المفارق ، وبعد الارتباط تتّحد مع الوجود الرابط الذي يفيض عن العقل المفارق المجرّد عن المادة . وتوضيحاً للمطلب : فإن الإنسان مثلًا موجود مستقل ، وهو يملك صوراً عقلية ، وهذه الصور العقلية التي ينشئها في مخيلته ليست هي النفس ، وإنما هي وجودات قائمة بالنفس ، فوجودها وجود رابط . والدليل على ذلك أنه ما دام هناك التفات إلى الصورة فتكون موجودة ، وبمجرّد انعدام الالتفات تزول تلك الصورة . فوجود هذه الصورة وجودٌ رابطٌ للنفس بنحو يكون كلّ وجودها وقوامها بقوام النفس . ولهذا لابد من توضيح العبارة بأنه ليس المراد من اتحاد النفس بالعقل المفارق اتحادها به ، بل المراد اتحاد النفس بالوجود الرابط المفاض من العقل المفارق للمادة ذاتاً وفعلًا . ومن هنا يتضح أمران : الأمر الأول : أنّ الإنسان عاقل بالقوة ، وبالاتحاد بذلك الموجود الرابط يخرج من القوة إلى الفعل ، وهذه هي الحركة الجوهرية . فالإنسان بالحركة