السيد كمال الحيدري
280
شرح بداية الحكمة
بالمادة ، ومن المعلوم : ) من فَقَدَ حسّاً فقد فَقَدَ علماً ( ، فلا يمكن أن تحصل الصورة العلمية بدون الارتباط بالمادة ، فكيف تكون الصورة العلمية حينئذ مجرّدة عن المادة ؟ والجواب : إنّ العلم أمر مجرّد عن المادّة ولكن لا يكون مستغنياً عن العلل والشرائط المعدّة في حصوله ، فهذا الأمر المجرّد لا يتحقّق إلَّا من خلال شرائط معدّة لحصوله . فالأمور الزمانية والمكانية والشرائط المادية الأخرى هي شرائط تعدُّ لحصول ذلك الأمر المجرّد . بعبارة أخرى : إنّ للعلم الحديث أن يثبت مدخلية الزمان والمكان ونحوهما من الشرائط في حصول العلم ، ولكن هذه الشرائط ليست هي نفس عملية حصول العلم . وهذا هو المراد من قول الحكماء إن النفس مجرّدة ذاتاً مادّية فعلًا . أي أنها في مقام الفعل تحتاج إلى المادّة والشرائط المادية ، ولكنها في مقام ذاتها تكون مجرّدة عن المادة . والشرائط التي تعدّ الحس لحصول الصور المحسوسة فيه هو الارتباط بالواقع الخارجي . والشرائط التي تعدّ الخيال لحصول الصورة الخيالية فيه هو الصور المحسوسة . والصورة المحسوسة والخيالية هما صورة واحدة لا أنهما صورتان ، والفرق بينهما هو في الارتباط بالواقع الخارجي وعدم الارتباط به . فإذا كانت الصورة مع الارتباط بالواقع الخارجي فهي المحسوسة ، وإذا كانت مع الانقطاع عن الواقع الخارجي والمادي فهي الصورة الخيالية . فيتّضح بذلك أن الصورة الحسية والخيالية المجرّدة ليست هي عين الواقع الخارجي الذي هو أمر مادّي . فلا يمكن أن تكون الصور الحسية والخيالية معلولة للواقع المادي ؛ لأن المجرّد أقوى وجوداً من المادي ، ولا يعقل أن يكون الأضعف علّة للأقوى ، ويبقى السؤال عن علّة هذه الصور المفيضة لها ، وهو بحث وقع فيه خلاف بين الحكماء .