السيد كمال الحيدري
254
شرح بداية الحكمة
ذهبوا إلى عدم صحة هذا التعريف للقدرة فيه سبحانه وتعالى ، بخلاف المتكلمين فإنهم ذهبوا إلى تعريف القدرة فيه بما يصحّ معه الفعل والترك . وسبب ذهاب المتكلمين إلى هذا التعريف هو توهّمهم أن الواجب إذا وجب أن يصدر عنه الفعل فلا يكون في فعله مختاراً ، بل يكون موجباً ومجبراً ؛ فإن نسبة الوجوب تقتضي سلب الاختيار من الواجب سبحانه وتعالى . ودفع الشبهة بنحو الإجمال هو بأن يقال : أن نفي النسبة الإمكانية لا يستلزم أن يكون الفاعل مجبراً ؛ إذ نفي الإمكان لا يستلزم الوجوب ، فليس كل وجوب معناه الجبر ، بل إنّ بعض الوجوب ليس بجبر . وتوضيحه أن الوجوب يطلق على معنيين : الأول هو الإتيان بالفعل من دون اختيار ، وهو الذي يصطلح عليه ب - ) الوجوب عليه ( . والثاني هو ما اصطلح عليه الشيخ الرئيس ب - ) الوجوب عنه ( لا ) الوجوب عليه ( . والوجوب عنه هو أن يكون الموجود سنخ موجود لا يمكن أن يصدر منه الفعل ، ولكن ليس لأنه لا يستطيع على مقابله ، بل لأنه لا يوجد فيه مقتضى مقابله . فالمعصوم لا يمكن أن يصدر منه معصية من الناحية العملية ، وإن أمكن ذلك عقلًا . والإمكان العقلي لا ينافي أن يكون أحد الطرفين دائمي الوقوع ، والطرف الآخر ممتنع الوقوع ، فهو دائمي وقوع الطاعة ، ممتنع وقوع المعصية ، ولا ينافي ذلك القدرة على المعصية . ومن هنا لا يقال إن المعصوم يجب عليه فعل الطاعة ، بل يقال : يجب عنه فعل الطاعة . ومن المعلوم بالقطع واليقين أن الله تعالى لا يدخل الأنبياء إلى النار ، ولكن ليس بمعنى أنه يستحيل عليه أن يدخلهم إلى النار ، بل بمعنى العلم يقيناً بأنه لا يصدر منه هذا الفعل . وهو امتناع وقوعي ، وليس امتناعاً ذاتياً .