السيد كمال الحيدري
68
شرح بداية الحكمة
على سبيل المثال : فإذا وقع الضوء الواحد على نافذة مصنوعة من قطع مختلفة من الزجاج بحيث تكون كل قطعة منها ذات صبغة معيّنة ولون مختلف ، فإن كل قطعة من الزجاج سوف تعكس النور بشكل مختلف تبعاً للونها . وهذه الأشكال المختلفة لم تنشأ من النور الواحد فيكون الاختلاف حينئذ ناشئاً من القوابل التي وقعت عليها تلك المرتبة ، وهذا النوع من الكثرة يسمى بالكثرة العرضية . وتسمى الكثرة الطولية كثرة ذاتية لأنها ناشئة من ذات الحقيقة ، وتسمى الكثرة العرضية عرضية ؛ لأنها ناشئة مما وقع عليه ذلك النور . وبذلك يتّضح الفرق بين دعوى صدر المتألهين القائلة بأن الوجود حقيقة واحد لها مراتب مختلفة ، ودعوى المشائين القائلة بأن الوجود حقائق متباينة بتمام ذواتها . فهم يرون أن حقائق الوجود متباينة بعضها عن بعض بتمام الذات ، كالتباين الموجود بين مقولة الكمّ ومقولة الكيف ، فكما أن الأجناس العالية لا يوجد بينها جزء مشترك فكذلك الوجودات . الدليل على تباين الموجودات استدلّ المشاءون على تباين الموجودات بأدلّة مرجعها إلى أمرين : 1 - إثبات أن الوجود حقائق متباينة . 2 - إثبات أن هذا التباين إنما هو بتمام الذات . يدل على الأول اختلاف الآثار الكاشف عن اختلاف المؤثرات . فالنار لها أثر خاص ، والشجر له أثر خاص ، وكذا سائر الموجودات ، ومن اختلاف الآثار في الوجود نستكشف أن الوجود حقائق مختلفة . وأُشكل على هذا الدليل بأنه غير تامّ ؛ لأن أقصى ما يفيده هو بطلان التواطئ في حقيقة الوجود من دون أن يمسّ دعوى أن الوجود حقيقة واحدة لها مراتب مختلفة . فعلى مبنى صدر المتألهين لا مانع من وجود اختلاف بين المؤثرات ، غاية الأمر أن هذه المؤثرات هي حقيقة واحدة