السيد كمال الحيدري

66

شرح بداية الحكمة

الشدة في النور إذا كانت جزءاً مقوّماً للنور ، فيلزم أن لا يكون النور الضعيف نوراً ، بسبب فقدانه لذلك الجزء . فالشدة والضعف في النور الشديد والضعيف هما من مراتب الحقيقة النورية الواحدة ، كما هو الحال في العدد ، إذ يشكّل العدد ) اثنان ( مرتبة من العددية ، والعدد ) ثلاثة ( مرتبة أخرى . وهكذا . . . وتختلف كل واحدة من المراتب عن الأخرى لاختلاف خواصّها وآثارها ، فالعدد ) أربعة ( مثلًا يقبل القسمة على العدد ) اثنين ( فيما لا يقبل العدد ) ثلاثة ( ذلك . والاثنان نوع ، والثلاثة نوع آخر . . . ومع ذلك فإنّ هذه المراتب تتّفق جميعها في حقيقة واحدة وهي العدد ، إذ إنّ كل منها هو عدد . فالثلاثة ليست جزءاً مقوّماً للعدد ، وإلا لو كانت كذلك لما كانت الأربعة عدداً . وعليه ، فالشدة في النور ليس معناها أن المرتبة الشديدة مركبة من جزئين أحدهما أصل حقيقة النور والآخر شدة النور ، بل إن كل مرتبة من مراتب النور بسيطة في ذاتها ، فلا يتركّب النور الضعيف من النورية والضعف ، كما لا يتركّب النور الشديد من النورية والشدّة . وعلى هذا تكون حقيقة الوجود واحدة ، وهذه الحقيقة الواحدة لها مراتب متعدّدة ، وهذا التعدّد والتكثّر في المراتب لا ينافي وحدة تلك الحقيقة . وهذا هو مراد القائلين : إن الوجود حقيقة واحدة مشكّكة « 1 » .

--> ( 1 ) التشكيك يطلق على موارد مختلفة : فقد يطلق على الشك في مقابل اليقين ، كما في اللغة . وقد يطلق على المفهوم الكلي الذي يصدق على أفراد كثيرة ، ويكون وصفاً للمفهوم بلحاظ صدقه على أفراده ، فإن كان حيثية ما به الاشتراك غير حيثية ما به الامتياز يسمى تشكيكاً عامياً ، فما به الاشتراك ماهية وما به الامتياز ماهية أخرى ، وهذا في المنطق . وقد يطلق على ما يسمى بالتشكيك الفلسفي ، ويكون وصفاً للحقيقة الخارجية ، وهذا التشكيك يختلف عن السابق بأن ما به الاشتراك عين ما به الامتياز ، ويسمى التشكيك الخاصي . وهذا التشكيك هو المقصود بالبحث هنا .