السيد كمال الحيدري

53

شرح بداية الحكمة

وفي المقابل يعتمد الإشراقيون في الوصول إلى الحقائق المجهولة على تهذيب الباطن ، وتنقية مرآة القلب . فإذا صقلت مرآة القلب انعكست فيها المعارف الحقيقية المفاضة من جانب السرّ سبحانه وتعالى . ويدّعي أتباع هذا المنهج أن الفاعل المفيض تامّ الفاعلية ، ولكن لابد أن تتوفّر في المقابل إمكانية أن ينهل من هذا الفيض . وحيث إنّ الحق سبحانه وتعالى هو القادر المطلق والجواد الدائم والقادر على كل شيء والعالم بكل شيء . . فالفاعل تام الفاعلية لا يوجد أيّ نقص في جهة فاعليّته ، والقصور إذا وجد فإنما يوجد في جهة القابل المتلقي لهذا الفيض . ولهذا لابد أن يعمل المتلقي على صقل نفسه ، وتجلية مرآة قلبه ، وإزالة الصدأ عنه الحاصل له من جهة الذنوب . . . فإذا هذّب الإنسان نفسه وصقل باطنه أشرقت عليه المعارف وانعكست على صفحة وجوده كما تنعكس صورة الرائي في المرآة . ومن هنا التسمية بالمنهج الإشراقي لقيامه على الإيمان بإشراق الحقائق وفيضها من الله مشروطاً بصقل مرآة القلب من طرف القابل . وعلى العموم ، تنسب هذه الطريقة في تحصيل المعارف إلى أفلاطون « 1 » ،

--> ( 1 ) أفلاطون ( 428 - 347 ق م ) من أعظم فلاسفة اليونان ، سمي ) أفلاطون الإلهي ( وكان له تأثير بالغ في جميع لاحقيه . وهو ابن أحد أشراف أثينا ، تلمّذ على سقراط ثماني سنوات ، وقام برحلة إلى مصر والقيروان وإيطاليا الجنوبية وصقلية . وعلى مقربة من أثينا أنشأ أفلاطون مدرسة دُعيت بالأكاديمية فكانت أقرب إلى مركز دراسات منها إلى مدرسة ، قضى باقي حياته في مدرسته وتوفي عن نحو ثمانين سنة . لأفلاطون 35 حواراً أكثرها على لسان أستاذه سقراط ، وله 13 رسالة بثّ فيها آراءه ، منها : كريتون ، فيذون غورجياس ، المأدبة ، طيماوس ، الجمهورية ، الشرائع . . .