السيد الطباطبائي
90
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
مثبت في سابقه وما فوقه بنحو ثابت غير متغيّر . ثمّ إنّ الحوادث التي في عالم الأجسام حيث إنّها إنّما تتمّ وجودها بالمادة فهي كائنة ما كانت محتاجة الوجود إلى استعداد سابق تحمله مادّة ، وتتكثّر الاستعدادات والإمكانات بتكثّر جهات المستعدّ له ، ويتسلسل في ضمن موجودات جسميّة سابقة بالزمان كلّما بعد حامل الاستعداد عن المستعدّ له قل تخصّصه وتعيّنه في ضمن المستعدّ ، وزاد إبهامه ، واشتدّ إجماله ، وكثرت نسبته إلى أمور يمكن وجودها فيه ، وكلّما قرب من المستعدّ له كثر تخصّص المستعدّ له وتعيّنه ، حتّى يتمّ الاستعداد ويتّصف بصفة الوجود ، وحينئذ يتمّ تعيّنه وتشخّصه ، وامتنع تبدّله لعدم إبهام فيه ، واستحال تغيّره عمّا هو عليه . مثال ذلك : الإنسان فإنّه قبل تماميّة صورته الإنسانيّة علقة ونطفة وقبل ذلك مركّب غذائي ، وقبل ذلك مركّب نباتي وقبل ذلك مركّب عنصري ، وقبل ذلك عنصرا أو عناصر بسيطة ، وهو حين كونه في مرتبة العنصر يمكن أن يصير واحدا من ألوف من المحتملات حتّى يتخصّص بألوف من الاستعدادات والفعليّات ، فيصير مركّبا عنصريّا مخصوصا يبطل غيره من الممكنات والمحتملات جميعا ، ولا يبقى غير ما هو صار كذلك ، ويمتنع تغيّره عنه إلى غيره ، إذ المفروض بطلان استعداده ، ولا يزال كلّما قرب من أفق الإنسان بطلت عدّة من الاستعدادات ، وسدّ طريق جمع من المحتملات ، حتّى يصير إنسانا ، ويبطل حينئذ جميع ما يمكن أن يكون هو إلّا الإنسانيّة ، وامتنع أن لا يكون إنسانا ويتغيّر عنها إلى غيرها ، إذ الغير باطل زائل ، كلّ ذلك ممّا لا شكّ فيه . وقد تبيّن أنّ المانع في مرتبة تماميّة الوجود عن التغيّر كما مرّ إنّما هو الوجود التامّ الذي يترتّب به على الشيء آثاره ، إذ وجود الشيء نفس الشيء ، ومع فرض نفس الشيء - كالإنسان مثلا - يمتنع تغيّره عن نفسه ، أي فرض الإنسان ووقوع الإنسان موقعه ، فافهم ذلك .