السيد الطباطبائي

91

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

واعلم أنّ هذا غير التغيّرات والتبدّلات التي في هذا العالم ، فإنّ تغيّر الإنسان - مثلا - إلى التراب وغيره ليس تغيّرا في وجود الصورة الإنسانيّة ، وإنّما هو ارتفاع وجود الإنسان عن المادّة ، ونزول صورة التراب إليها ، فالتغيّر إنّما هو في المادّة الغير التامّة إلّا بصورتها ، وأمّا وجود الصورة فليس فيه تغيّر ، وإنّما هو البطلان ، وفي الحقيقة إنّما هو انتهاء أمد وجود وابتداء أمد وجود آخر . وبالجملة : فالوجود الخارجي مانع عن طروق التغيّر والتبدّل ، وهو الذي يلزمه آخر التفاصيل الواقعيّة للشيء في ذاته وآثاره ونسبة الخارجيّة مع ارتفاع إبهامه من كلّ وجه ، وإذا كان ذلك كذلك ، وجميع استعدادات الوجودات الماديّة والحوادث الإمكانيّة ، وحوامل تلك الاستعدادت أيضا موجودة في الخارج ، فهي أيضا ممتنعة التغيّر عمّا هي عليها ، فجميع الوجودات التي يتركّب منها عالم الأجسام ويستقرّ عليها نظامه أمور ثابتة بهذا النظر غير قابلة للتغيّر ، وإنّما تقبل التغيّر لا في أنفسها ، بل بقياس بعضها إلى بعض ونسبته ، فالنطفة من حيث إنّها نطفة غير قابلة التغيّر عمّا هي عليها ، ولا استعدادها لأن يكون إنسانا أو جسما آخر بما هو استعداد موجود قابل للتغيّر ، ولا مادّتها الحاملة للاستعداد في أنّها مادّة قابلة للتغيّر ، وإنّما المادّة إذا أضيفت إلى الصور الحاصلة فيها تقبل أن تتحصّل بأحديها وأقربها ، مثلا صورة الإنسان . وبالجملة : فهذا النظام الجسماني بأجزائه نظام غير قابل للتغيّر مثل النظام في عالمي المثال والعقل المجرّد ، غير أنّ في ضمنه نظاما آخر لقبول التغيّر غير مؤثّر قوّته في فعليّته . وحيث ثبت بالبرهان اشتمال عالم المثال لنظام هذا العالم بجميع تفاصيله واشتمال عالم العقل المجرّد لتفاصيل عالم المثال ، ففيهما من تفاصيل نظام هذا العالم المادّي قسم يقبل التغيّر في مرتبة وقوعه في عالم المادّة وقسم لا يقبل التغيّر بتاتا ، وحيث إنّ عالم المثال شبح ومثال لعالم العقل المجرّد كان ثبوت الحكم