السيد الطباطبائي
425
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
ثمّ نقول : حيث كان الإنسان بالفطرة متغيّر الآراء والاعتبارات ، كما أشرنا إليه قبل وبيّناه في كتاب الاعتبارات « 1 » ، فمن اللازم أن تكون الشريعة في كلّ عصر محفوظة عند بعض الناس ممّن يقوى على عدم التغيير ، أي تكون نفسه معصومة محفوظة الاتّصال بالمبادئ والعوالم العالية ، وهو المسمّى بالإمام ، فيحفظ الشريعة ، ويعمل بها ، ويدعو إلى العمل بها بحسب الإمكان ، كالرسول . هذا ، على أنّ الحقّ في كلّ عصر مغلوب ، والسابق إلى الفطرة المتمكّن في النفس اتّباع الهوى وحبّ الدنيا ، وإظهار الباطل في صورة الحقّ ، وغير ذلك من المصادمات والمزاحمات . فظهر من ذلك أنّ من الواجب وجود إمامة ما كالرسالة ، وأنّ العالم لا يخلو منها عصرا ما بخلاف الرسالة ، وحينئذ فمن الجائز اجتماع الرسالة والإمامة معا في إنسان واحد ، وافتراقهما - أي وجود إمام بلا رسول - موجود . ثمّ نقول : ولأنّ الحقّ لا يتميّز عن الباطل والصدق عن الكذب عند الجميع بالبرهان فقط ، إذ البرهان أي الدليل القاطع لا يناله العامّة ، بل الخاصّة أيضا ، وإن نالوه لكن لا تسكن نفوسهم عن الأعراض الخفيّة المستنبطة وجب عندئذ القوّة من الرسول على إظهار أمر خارج للعادة يحدس به أنّ نفسه متّصلة ومرتضعة من العالم الأعلى عند التحدّي ، وهو المسمّى معجزة ، ويجب أن لا يغلب فيه بحسب العناية ممكن الصدور عن الأولياء الكاملين ، ويجب أيضا أن يكون كلّيّات ما يدّعيه موافقا لصريح العقل ، فهذا كلّه ظاهر بيّن من الأصول السالفة . ثمّ نقول : قد عرفت أنّ الأنبياء هم الأولياء الكاملون بالفطرة ، وأنّ الوارد عليهم من جانب الحقّ الأوّل تعالى نوما ويقظة على أقسام ثلاثة : أمور كليّة نوريّة وأمور جزئيّة نوريّة ، وأمور جزئيّة حسيّة ، وأنّ الأوّل باطن الثاني ، والثاني باطن الثالث ،
--> ( 1 ) المقالة الأولى ، الفصل الثاني من رسالة الاعتبارات .