السيد الطباطبائي

415

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

الطبقة في متميّزاتهم دفعا للضيم عن أنفسهم ، فيشاركونهم في ذلك إمّا بالحقيقة ، وإمّا بالتشبيه ، فلا تزال المنازعة والمدافعة قائمة بينهم . وأمّا المسلك الآخر ، فهو الذي هو بالطبع متميّز يقصر عنه أيدي الغالب بالقهر والتعالي عليهم ، فيخضعون بنحو ما لحائزة ، ويشيرون إليه بالبنان ، وهذا هو الجاه كالسلطنة والرئاسة وسائر أنواع الغلبة والاشتهار ، وهذا المسلك أمسّ شيء بالبشر ، وآخر شيء يصفو عنه أهل الصفوة ، وهو على مراتب لا يخلو عنه أحد من الناس حتّى إنّ أرذل الناس في نفسه له شيء من الجاه لا يحبّ البقاء بدونه ، وربّما يختلط بالاختيار المطلق الذي هو من الفطريّات ، بل السعادة المطلقة ، فلا يحبّ الإنسان حياته بغيره ، غير أنّه ذو مراتب كثيرة غير محصورة من حيث آراء الناس في السعادة المطلقة التي هي كالمادّة له ، فيراه بعض المال ، وبعض الأولاد ، وبعض حسن الذكر ، وبعض الرئاسة ، وبعض غير ذلك ، والغالب على الناس هو الأوّل لغلبة ابتلائهم به . هذا حال هذه الفرق الثلاث مجملا . ثمّ نقول : إنّ هؤلاء جميعا لا يزالون في آلام وغموم خياليّة لا فراغ لهم عنها ، لأنّ مادّة آرائهم الأمور الماديّة ، وحكم التضادّ والتزاحم فيها شائعة ، ومن الممتنع حصول أمر مادّي على أحسن وجه يتصوّر فيقصد ، إذ المادّة محدودة ، فما يوجد منها أمكن تصوّر ما هو أزيد منه وأحسن ، فلا يزالون يطلبون عند كلّ ما يجدون ما هو أزيد منه حسنا ، وأشدّ ملائمة ، وتشمئزّ نفسهم ممّا ينالون لانصرافها إلى تصوّر الأكمل منه ، فيوجب ذلك تصوّر الناقص بجهة نقصه ، فيسقط الحبّ لأنّه الجذّاب إلى جهة الكمال دون النقص ، فيتبع ذلك الكراهة ، هذا وإذا مضى شيء من المطالب تصوّر بجهة اللذّة منه ، فيتولّد منه الحسرة ، فلا يزال الإنسان وحاله هذا الحال بين حسرة وأمل وشيء من اللذّة قليل ستنصرف عنه النفس ، وتشمئزّ ، وهذا حجّة عليهم في إخلادهم إلى الدنيا ، وأمّا إذا دخلت بهم النفس استوحشت من فقدان كمالاتها ، واغتمّت أشدّ ما يكون ، وحاكت ذلك الخيال بالأمور الهائلة