السيد الطباطبائي

408

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

في عالم الحسّ والخيال على ما ثبت من أحوال هذه العوالم الثلاثة بحسب البرهان في العلم الإلهي ، وبحسب التجربة والكشف . هذا ، غير أنّ هذا الإنسان الشريف كلّما نزل إلى عالم لم يغفل عمّا فوقه إجمالا ، بحيث لو التفت أدرك لكون العالي باطن السافل ، ولا عوق ، وكلّما ارتقى إلى عالم عال لم يغفل عن السافل لكون السافل موجودا في العالي بنحو أشرف وأنور . وأحقّ المدركات إدراك الواحد الأوّل تعالى ، وأنّه الموجود بالحقيقة ، أي بنفسه ولنفسه وأنّ غيره موجود به وليس في نفسه شيئا ، وهذا المعنى لا بقاء عنده لموجود ما ، ولذلك فإنّه لا يدرك غير الحقّ الأوّل تعالى ، فيدرك كلّ شيء حتّى نفسه به تعالى ، ويفعل أفعاله جميعا به تعالى لا أنّه يريد فعلا لأجله تعالى ، بل يريده تعالى فيصدر عنه الفعل وبين المعنيّين فرق عظيم يعطيه التأمّل التامّ . فقد ظهر أنّ هذا الإنسان لا يدرك ولا يشاهد غيره تعالى ، وبه يدرك كلّ مدرك ومعلوم . وظهر أيضا أن لا يريد في شيء من أفعاله غيره تعالى ، غير أنّ الفعل يقع وقوعا ؛ وذلك لأنّ المراد هو المعلوم ، وإذا كان لا معلوم له إلّا هو تعالى فلا مراد له إلّا هو تعالى . وظهر أيضا أنّه لا يتألّم من شيء قطّ ، إذ المفروض أنّه لا يرى ولا يستقبل إلّا إيّاه ، وأنّه لا يلتذّ به تعالى ويغتبط ويسرّ أشدّ ما يكون ، بل كلّما اشتدّ به البلاء اشتدّ به الوجد والابتهاج ، وهو مطمئنّ به مسلّم له راض منه متوكّل عليه ، وظهر أنّه يجد بذلك جميع الفضائل ، ويفقد جميع الرذائل ، فيكون شجاعا عفيفا حكيما عادلا ، ولا يوجد فيه شيء من أضداد هذه وفروع أضدادها ، بل يظهر ويتمّ فيه جميع صفات الحقّ تبارك وتعالى ، إذ غير الجهة الربوبي فيه مستهلك . وهذا المعنى أمر آخر متأخّر عن تكمّل فضائله ابتداء بسبب اعتدال المزاج ،