السيد الطباطبائي
409
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
فإنّ هذا بالحقيقة احتراق وانحسام لمادّة الرذيلة الطبيعيّة وكدوراتها . هذا مجمل القول في حال الإنسان المعتدل المزاج والقويّ بالفطرة ، ويظهر شطرا آخر من حاله فيما بعد إن شاء اللّه . وأمّا الإنسان الذي يعدل قواه بالصناعة والعادة فيقرب حاله من مشابهة حاله غير أنّ الفرق فرق الفطرة والفكرة ، فإنّ التعديل والعمل الفكري حيث إنّه ترتيب مقدّمات اختيارا وبالرويّة بقدر الطاقة ، فربّما يخطى بوقوع غلط خفي في تضاعيفها وبالتدريج فإنّ الأوّل أيضا ، وإن لم يخل في طيّ صراط الكمال عن تدريج ما غير أنّ التدريج هناك بلا معاوق إلّا في نهاية الضعف بخلاف ما في هذه الفرقة المستعملة للصناعة والنظر في طريق اكتساب الكمالات . وبالجملة : فلهذه الطائفة في سيرهم صراط الكمال شؤون أخرى يختلفون مع أصحاب الاعتدال الفطري ، فالنفس في أوّل وهلة إذا غلب فيها جانب القوى الطبيعيّة من الشهوة والغضب صرف ذلك إيّاها إلى جانبها ، وكان السلطان لها ، وإذا كان كذلك أذعنت بما توجبها الشهوة أو الغضب وحصلت ملكاتهما . وحيث إنّ القوّة النطقيّة مسخّرة تحت ذلك صرف مدركاتها إلى ما يناسب أفعالهما لما مرّ من التشبيه بالتسخير ، فيذعن بالأمور الاعتباريّة الملائمة لهوى النفس من شرف الرئاسة والجاه وحسن الذكر وبقائه وسائر الأمور العالية في عالم الاعتبار . ومع ذلك فالناس في هذه الدرجات على اختلاف كثير ، والساقط الهمّة الدني الفطرة يذعن بالشهوة ، والمتوسّط بالغضب ، والعالي بالأمور الوهميّة ، وقلّ ما يتّفق في واحد جميع الثلاثة ؛ وذلك لأنّ الأفعال الوهميّة بتصرّف القوّة النطقيّة التي تنوّع الإنسان - كما مرّ - وإن كانت مسخّرة تحت غيره ، إلّا أنّ الأفعال أفعالها ، وبنمط فطرتها ، فهي أشدّ ملامسة وملاصقة بالإنسان وأفعال الغضب أيضا ، كالبرزخ ،