السيد الطباطبائي

405

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

ينتهي إلى الحقّ ، فكلّ إنسان معترف بالحقّ بالضرورة وبالفطرة . ثمّ إنّ هاهنا حقّا بمعنى آخر ، وهو أنّ الأمور التي في طريق كمال النفس أعمّ ممّا يكون إلى الخير أو الشرّ ، وإلى السعادة أو الشقاوة مرتّبة ترتيبا ظاهرا ، فالسعادة القصوى تتفرّع على أمور متفرّعة على آخر ، وهلمّ جرّا ، حتّى تنتهي إلى الحقّ المطلق الذي لا نزاع فيه أصلا بالفطرة ، وكذلك الشقاوة الكاملة مع مقدّماتها ومقدّمات مقدّماتها حتّى تنتهي إلى الباطل المحض حسب ما مرّ سابقا . وقد عرفت أنّ الكلّ باعتبار آخر أشياء بالعرض ، فالحقّ الأخير لو ركب ثمّ ركب في سلسلة لا يدخل فيها شيء ممّا بالعرض أوصل إلى السعادة القصوى ، ولذلك ما سمّيت جميع فروعه حقائق ، ولو ركّب بحيث يدخلها ما بالعرض أو ركّب الباطل المحض الموجود بالعرض مع فروعه تركيبا بالذات أوصل إلى الشقاوة التامّة . ثمّ نقول : إنّ الواجب لانتشاء الفضائل والرذائل ، والسعادة والشقاوة ، هو هذا المعنى من الحقّ والباطل ؛ وذلك لأنّا قد بيّنا أنّ كلّ فعل لا يصدر عن كلّ علم ، بل علم معه إذعان ، وهو العلم حقيقة ، وهذا لا يتمّ إلّا لصرف النفس إليه ، فلو فرضنا كمالا وعلما به ، وإذعانا معه حتّى يصير العلم مطلقا غير مقيّد صدرت بذلك الفضيلة وثبتت الملكة ، ولو فرضنا علما ليس معه إذعان فصدور فهو لا يتمّ إلّا مع صرف النفس عنه إلى غيره ، أي إلى إذعان بالرذيلة اختيارا ، فهناك جهود ، وأمّا إذا لم يكن علم أو كان وفرض معه غفلة عن إذاعانه لبعض الأسباب فلم يكن هناك لا إذعان ولا مطاوعة ولا جحود ومعاندة ، والقسم الأوّل يولّد ملكة سعيدة ، والثاني ملكة شقيّة ، والثالث ليس فيه شيء آخر غير أنّه نقص لبعض الأسباب . هذا ، فقد ظهر أنّ الإنسان العالم بالحقّ المذعن به في جميع المراتب هو السعيد الكامل ، والإنسان العالم بالحقّ غير المذعن به ، كذلك في غير الحقّ المطلق لما مرّ أنّه غير ممكن هو الشقيّ الكامل ، وإذعانه بمادّة الحقّ المطلق هو الحجّة عليه ،