السيد الطباطبائي
402
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
اختلاف البشر في آرائهم وإذعاناتهم بحسب مرور الدهور وخلوّ القرون ، فربّ أمر هو مقطوع غير مشكوك الثبوت في زمان ثمّ هو بعينه مقطوع البطلان غير مشكوك في آخر ، وإنّما وقع الانتقال من حال إلى آخر بواسطة أمر اتّفاقي يوجب انصراف واحد من الناس إليه ، ثمّ يرد الباقي مورده تدريجا ، ولذلك فإنّ التحصّل على المطالب الحقّة نزر وصعب مستصعب ، لا يتحصّل إلّا بالانقطاع والتصفية ، ولذلك كان الوقوف على المطالب العقليّة على شرفها واستحكام أساسها كما بيّناه في كتاب البرهان « 1 » نزرة صعبة لا يرد ولا يصدر عنها إلّا واحد بعد واحد لمانعة الأمور المحسوسة حتّى ربّما سمّاها الناس ، بل الراقون منهم بالموهومات والمتخيّلات . ثمّ نقول : إنّ الكمالات الإنسانيّة وهي الإدراكات تلائم كمال القوّتين الاخرتين ، أعني الغضبيّة والشهويّة في جانبي الخير والشرّ ، وذلك لما عرفت أنّ بين القوى شيئا رئيسا يرتّب أفعالها وملكاتها ويحفظها عن التناقض والتباين ، ويقوى على جميع الأفعال المتشتّتة ، وفنون الإدراكات ، ويجب أن يكون هذا المعنى هو الذي به يقوم نوعيّة الإنسان لارتفاع حقيقة الإنسان بارتفاعه ، وإذا كانت النوعيّة إنّما تتمّ بهذا المعنى ، وصحّ أنّه يحتمل الكمال والنقص كان كمال النوع مستندا إلى كماله ، وإذا كان كذلك ، وكان له في نفسه أفعال ، وبالنسبة إلى ترتيب القوى ودفع التناقض والتباين من بينها أفعال كان الكمال الإنساني في هذه القوى المرؤوسة هو الاعتدال في أفعالها بحسب تقسيط هذا المعنى الكمالي ، أي أن لا يكون فعل القوّة بحيث يضرّ ويدفع كمال هذا المعنى فيه بالخروج إلى جهة الإفراط والتفريط . إذا عرفت ذلك عرفت أنّ هاتين القوّتين لو خرجتا من القوّة إلى الفعل في جانب الخير ، أي الاعتدال كان المعنى الرئيس خارجا إلى الكمال في جانب الخير ، فليلتذ بجميع كمالاته في نفسه ، وقد هيّأ له ذلك كلّه ، فلو فرض له قيام في نفسه بغير
--> ( 1 ) الفصل الثاني من المقالة الأولى من كتاب البرهان .