السيد الطباطبائي

390

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

كثيرا أو أصلا . ثمّ إنّا إذا تعمّقنا وجدنا مكث الحسّ أيضا لا يوجب القوّة بنفسه ، فإنّا لو دفنّا أصواتا مختلفة مختلطة كما يتّفق كثيرا في المحافل العامّة والغوغائيّة واهتممنا وقصدنا واحدا من المتكلّمين سمعنا وميّزنا كلامه ، وأمّا الباقي فمع ما نسمعها كما نسمعها كالصوت الواحد الممتدّ المتشابه الأجزاء والحروف . وكذلك عند المرض ومقاساة الآلام إذا اشتغل المريض بشيء من الكلام أو غير ذلك كان إدراك الألم ضعيفا ولم يتألّم منه تألّمه عند عدمه ، وهذا مطّرد في جميع المحسوسات ، ولا يوجد فرق بين صورتي القوّة والضعف في هذه الأمثلة إلّا وجود التوجّه النفساني وعدمه ، فللتوجّه دخالة ، ثمّ إذا رفعنا التوجّه عن كلّ مثال وجدت فيه قوّة عاد الأمر إلى الضعف ، وأمّا الخيال المحض فنرى فيه أيضا من الفرق ما نراه في صور المحسوسات الخارجيّة ، إذ ربّما أعطى الخيال قوّة المحسوس ، بل أزيد ، كما في المبرسمين وعند السرسام « 1 » ، وإذا تأمّلنا الحال فيه وفي الخيال المحض وجدنا النفس عند الخيال المحض متوجّهة إلى أشياء وخاصّة المحسوسات مع اعتيادها بها ، وكلّما رفعنا شيئا منها زادت قوّة الإدراك . فقد بان أنّ الميزان في قوّة العلم قوّة التوجّه النفساني ، وظهر أيضا أنّ من كسر هذه العادة وجد في التوغّل في نفسه كان خياله المحض بمنزلة الحسّ فينا وبالعكس .

--> ( 1 ) المبرسم والسرسام : وهي من الأمراض التي تصيب الإنسان ، سببها ورم في حجاب الدماغ ، أو ورم في الحجاب الحاجز المعترض بين القلب والمعدة ، وتؤدّي هذه الأمراض عند الإصابة بها إلى اختلاط الذهن ، وعدم التركيز ، والحمى الشديدة ، بحيث يشاهد صاحب هذا المرض صور لا وجود لها في الخارج .