السيد الطباطبائي
240
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
هذه الخاصّة حقيقيّة لا مجوّزا فيها أوجب أن يكون الطرفان في الأوّليّة متصوّرين بكمال الحقيقة ، فإنّ الحكم الأوّلي الذي يحكم به النفس بين الموضوع المتصوّر والمحمول المتصوّر ، وقد تقدّم « 1 » أنّ المتصوّر والمعقول هو كمال حقيقة نفسه ، وإلّا لزم الخلف أو سلب الشيء عن نفسه هو حكم قائم بهما ، سواء وضع غيرهما أو رفع ، فلو كان موضوع فقط أو طرفان معا معلوما بوجه ، فالحكم قائم بهذا الوجه المتصوّر ، سواء وضع ذو الوجه أو رفع ، فلو فرض حكم أوّلي قائم بذي الوجه بما أنّه هو ، وهو بهذا الوجه مجهول لزم قيام الحكم الأوّلي بالمجهول بما أنّه مجهول ، وهو محال لاستلزام الحكم المعلوم موضوعا معلوما ، فتبيّن أنّ كلّ مقدّمة أوّليّة يجب أن يكون طرفاها متصوّرين بالكنه وبكمال الحقيقة ، وهذا البيان بعينه جار في كلّ قضيّة برهانيّة . وقد بان أنّ المحمول في الأوّلي من لوازم مهيّة الموضوع ، أي مفهومه الذاتي ، وإلّا لتوقّف التصديق إلى التصديق بالوجه . وقد بان بذلك أيضا بعكس النقيض أنّ الأمور التي لا سبيل إلى تصوّر حقيقتها تصوّرا بالكنه لا أوّلي فيها عند التحليل الاقتراني ، فبيانها البرهاني لا يتمّ باقتراني القياس فقط . وقد بان منه أيضا أنّ الصور - أعني الأمور الماديّة - لا برهان عليها ؛ إذ قد تقدّم أنّها لا تتصوّر بالكنه والبرهان مؤلّف إمّا من مقدّمات أوّليّة أو نظريات تنتهي إليها . ويتبيّن به أن المقدّمات اليقينيّة التي في الأمور الماديّة إنّما ينهض البرهان عليها بالعرض ، وإنّما هو بالذات على معان مجرّدة مقارنة معها ، وقد مرّ أنّ تصوّرها بواسطة شيء من المعاني ، فالأحكام اليقينيّة التي لها إنّما بالذات أحكام بعض المعاني الموضوعة محلّها ، فالبراهين التي في مقدّماتها شيء من جنس ما له صورة
--> ( 1 ) في الفصل الثاني من المقالة الأولى .