السيد الطباطبائي

236

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

وكلّ صوت منعكس ، وفي الدنينات وتغلط في أشياء كثيرة لاختلاف المزاج في القوى اللامسة والذائقة والشامّة ، ونعتقد في كلّ ما نجده إنّا نجده في الخارج ، وإنّما نجده في الحسّ المشترك ، أو نشكّ في ذلك لو لم يتمّ البرهان على وجوده ، وكذلك ربّما نجد جوعا كاذبا وعطشا كاذبا وألما كاذبا ، فهذه وأمثالها أغلاط واقعة للحسّ ، فلا تكون الأحكام المحسوسة بضروريّة بالذات ، لكنّا مع ذلك نعلم علما ضروريّا لا يشوبه شكّ أنّ الذي نشاهده ونحسّ به هو في حسّنا على ما نشاهده . وهذا في الحقيقة تصوّر ضروري لا تصديق ؛ إذ ليس هذا التصديق بعينه محسوس ، لأنّه كلّي ، ولا شيء من الكلّي بمحسوس ، ولا جزئيّاته تصديقات جزئيّة محسوسة ؛ لأنّ الحمل فيها أوّليّ يرجع بالحقيقة إلى التصوّر ، فهذه الأمور المحسوسة أمور ضروريّة لا يشكّ في أنّها كذلك بخلاف التصديقات المحسوسة . ثمّ إنّ المحسوس بالحقيقة إمّا أن يكون منقسما إلى تصوّرات ضروريّة بالذات وإلى تصديقات غير ضروريّة بالذات ، كما مرّ ، وإمّا أن يكون هو التصوّرات فقط ، وأمّا التصديقات فليست بمحسوسة وغير ذلك باطل . والشقّ الأوّل أيضا باطل ؛ إذ لا تصديق في حسّ ، وبيانه أنّه لو كان للحسّ تصديق وله تصوّر بالضرورة كان المحسوس غير ضروري بذاته ، لكنّه في التصوّرات غير ضروري بذاته ، وأيضا لزم أن يكون النسبة كالطرفين ذات مهيّة محفوظة في الوجودين ، وليس كذلك لما بين في الفلسفة الأولى ، فالحسّ لا تصديق له فتعيّن الشقّ الآخر ، فتبيّن أنّ المقدّمات المحسوسة غير ضروريّة بذاتها ، وهو المطلوب . وقد بان ممّا مرّ أنّ الحسّ لا يكفي في النظريات ولا في شيء منها ، فتبيّن بطلان دعوى من يدّعي أنّ ما وراء المحسوسات لا ينبغي الركون عليه في النظريّات ، وكذا دعوى من يضيف إلى المحسوس القريب من الحسّ من المقدّمات ، وهذا أشنع ، مع أنّ لنا أحكاما كلّيّة ولا حسّ بكلّي ، وأحكاما أوّليّة لا نستغني عنها في شيء من العلوم .