السيد الطباطبائي

199

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

والكلام الجامع فيه أن نقول : كما أنّ الإسلام يثبت وراء الحسّ موجودات كثيرة موكلة بجميع جهات العالم تدعوا إلى الخيرات ، وتهدي إلى الحسنات ، وتفيض البركات ، وسمّتها الملائكة ، فالملك موجود غير محسوس ، له مبدئيّة ما للخيرات والحسنات والبركات ، كذلك يثبت وراء الحسّ موجودات أخرى موكلة بالإنسان وغيره تدعو إلى الشرور ، وتهدي إلى كلّ معصية ومخالفة يسمّيها الشيطان وذرّيّته ، فالشيطان موجود غير محسوس ، له مبدئيّة ما للشرور والمعاصي . أقول : إذا فرضنا معصية ما فهي مخالفة ، والمخالفة لا تتحقّق إلّا مع تصوّر موافقة في محلّها وإطاعة ، والموافقة بالطاعة لا تكون بشباهة الفعل بالفعل ، بل بمطابقة الفعل لما يريده آمر بأمر - مثلا - والأمر اللفظي إنّما هو لإيصال الأمر إلى المأمور لا لموضوعيّة له في نفسه بالضرورة ، ولذا كان الأمر العقلي كالأمر اللفظي أمر اعتباري اعتبر للتوصّل إلى وجود فعل مراد من الغير بالبعث والتحريك الاعتباري للمأمور إلى المأمور به ، وإرادة الفعل لا تكون إلّا بمحبّة تامّة ، فالذي يصدر عن الفاعل المطيع إنّما هو الذي يحبّه الأمر من حيث إنّه يحبّه ، وإلّا لم يكن موافقة ، أي أنّ علم الفاعل في إرادته الفعل إنّما تعلّق بالفعل بما أنّ الأمر يحبّه ، أي بمحبّة الأمر مشاهدا تعلّقها بالفعل ، ووجودها في الفعل ، وحيث إنّ العلم متّحد بالمعلوم ، فمنشأ الفعل إرادة الأمر التي عند الفاعل ، فهذا الفعل إنّما تحقّق بفناء إرادة الفاعل في إرادة الأمر ، وحيث إنّ الفعل أثر الفاعل ووجوده رابط غير مستقلّ بالنسبة إلى الذات ، فللذات وجود ما في مرتبته ، ففناء الإرادة في الإرادة يستلزم فناء ما للذات في الذات في هذه المرتبة ، فيختلف الفناء المذكور باختلاف الأفعال ، فهناك فناءات مختلفة بالنسبة إلى الأفعال المختلفة والطاعات المتشتّتة . ومثل البرهان يثبت في جانب المعصية أنّ المعصية لا تتحقّق إلّا بأنانيّة بالنسبة إلى ذات الأمر بوجه ما ، وهي خلاف الفناء ، أي الغفلة عن ذات الأمر وتوجّه المأمور إلى ذات نفسه .