السيد الطباطبائي
200
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
وحيث إنّ الكلام في إطاعة الحقّ سبحانه ومعصيته ولا ذات موجودة بالاستقلال إلّا ذاته ، فالتوجّه إلى ذات أخرى غير متصوّرة هناك ، بل هي الغفلة عن أنّه هو به لا عن هو البسيط ، فإنّه غير متحقّق البتّة . فقد تحقّق أنّ المعاصي بجميع أنحائها لا تتحقّق إلّا مع الغفلة عن الحقّ سبحانه ، ودعوى الأنانيّة وتختلف أقسام هذه الدعاوى باختلاف أقسام الأفعال التي هي معاص اختلافا شديدا ، فهذا هو المتحقّق في مرتبتنا الطبيعيّة ، ولها بالضرورة مثل في مرتبة المثال نسبتها في الكلّيّة والجزئيّة والمنشأية والتولّد نسبة ما في عالم الطبيعة بمقتضى ما مرّ من البرهان في أوّل الرسالة « 1 » ، فهي موجودات متقدّمة عليها بوجه أحبّاء في أنفسها لها مبدئيّة ما بالنسبة إلى ما في عالم الطبيعة من ممثّلاتها ، وهذا الموجود غير المحسوس الذي هو مبدأ عام للمعاصي مع المبادئ الجزئيّة التي لها هو الذي نسمّيه بالشيطان وذرّيّته . هذا ما سنح ببالي من البرهان على وجوده ، ولم أجد مجال المراجعة إلى كتب القوم ، فما أدري هل سبقني إليه أحد ، أو جاء ببرهان غير هذا ، ومنه يتبيّن معاني عامّة ما ورد في خصوصيّات وجوده وذرّيّته وحالاتهم وكيفيّة وساوسهم ، وغير ذلك . ومن البرهان يظهر وجه عدم سجدته - لعنه اللّه - لآدم ، لأنّه غير خاضع لذات الإنسان النوريّة التي هي خليفة اللّه في أرضه ، لأنّ ذاته قائمة بالأنانيّة ، وقد ورد في الخبر : « إنّ أوّل من قال : أنا ، إبليس ، وأنّه إنّما استحقّ اللعن بذلك » « 2 » . قال تعالى : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ
--> ( 1 ) راجع الصفحة : 139 و 140 . ( 2 ) ورد قريب من ذلك في كتاب سبل الهدى والرشاد : 3 : 119 ، حيث جاء فيه : « وفي الكلام السائر أوّل من قال : أنا إبليس فشقي » .