السيد الطباطبائي

14

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

الفاعل الإرادي لا تنطلق إرادته إلّا من أمر اعتباري ، أي : إنّ الإنسان لا يفعل فعلا أو يتحرّك حركة إلّا بإذعان لأمر اعتباري ، ولإثبات ذلك يقول العلّامة قدّس سرّه : لو كان الشيء موجودا في الخارج لما أوجب حركة الإنسان ، لأنّ الموجود في الخارج لا يسعى الإنسان لتحصيله ، لأنّه يكون من باب تحصيل الحاصل ، وإنّما يسعى الإنسان دائما لتحصيل ما ليس بحاصل ، فإذا كان كذلك فلا بدّ أن يسعى لتحصيل ما هو غير موجود ، فلا بدّ من الإذعان بقضيّة اعتباريّة . وعلى هذا يكون تمييز الملائم من غير الملائم - مثلا - على حدّ تعبير العلّامة قدّس سرّه بالعلم والإدراك ، فنرى الشخص يسعى نحو الملائم ويهرب من المنافر ، وإنّما يكون ذلك بصورة ذهنيّة مخصوصة بالنسبة إلى الأمور الملائمة وصور ذهنيّة مخصوصة بالنسبة إلى غير الملائم ، وهذه الصور المخصوصة صور وأمور اعتباريّة منتزعة من القضايا الخارجيّة . وبهذا يتبيّن : أنّ الإرادة التي هي أساس الفعل دائما تنطلق من جهات اعتباريّة لا حقيقية ، وبهذا يتّضح مدى الحاجة إلى الاعتبار ، وإنّ الإنسان متعلّق بالأمور الاعتباريّة ولا غنى له عنهما . ولذلك نبّه العلّامة قدّس سرّه على هذه النظريّة التي نستطيع من خلالها تفسير الكثير من الظواهر والفعّاليّات الإنسانيّة ، وكذلك تظهر فائدتها في تمييز وبيان العلاقة بين الأمور الحقيقيّة والاعتباريّة ، إذ قد يلتبس الأمر على كثير من الناس بسبب عدم التمييز والتفكيك بينها ، وقد أشار العلّامة لهذا الأمر قائلا : « تمييز الإدراكات الحقيقيّة عن الاعتباريّة أمرا في غاية الضرورة ، ويضحى إغفال هذا التمييز أمر في غاية الخطورة ، حيث أدّى هذا الاغفال بكثير من المفكّرين إلى كبوة قاتلة ، فقاس البعض منهم الاعتبارات بالحقائق ، وتعاملوا مع الاعتبارات وفقا للمناهج العقليّة الخاصّة بالحقائق ، وقام البعض الآخر بالعكس ، حيث عمّموا نتائج دراساتهم بالنسبة للاعتبارات فحسبوا أنّ الحقائق مفاهيم نسبيّة متغيّرة تابعة