السيد الطباطبائي
102
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
أنّ تأثير أوضاع الأبدان في باب انتشار الأخلاق ليس على حدّ الايجاب ، بل بنحو الاستعداد الشديد ، غير أنّ للخلق حدّا يستحيل معه زواله . هذا ، فالنفس أوّل ما تحدث بحركة البدن الجوهريّة ، حيث يأخذ الخيال في الفعل ، وهي حينئذ متلوّنة بلون البدن تلوّنا قويّا ، إلّا أنّه غير بالغ بعد مرتبة اللزوم ، ثمّ تخلّى هي وما بين يديها ، ومن نوع التربية والعلوم والاعتقادات والحوادث المرتبطة بها المتماسّة معها ، فلا تزال تسلك سبيلا بعد سبيل ، وتتراكم عليها الأحوال والاعتقادات ، وينتج بعضها بعضا ، حتّى ترسخ فيها رسوخا غير مفارق ، وهذه صورة نفسانيّة تفرّق بها نفس عن نفس ، وهو تنوّع النفس ، فإن كانت صورة سعادة فتقع في البرزخ في سبيل السعادة ، وإن كانت صورة شقاوة ففي سبيل الشقاوة ، وإن كان تجرّدها تجرّدا برزخيّا وقفت دونه ، وإن تجاوزته تجاوزته . هذا ، بقي هنا شيء وهو أنّ كمال كلّ معلوم وغاية وجوده هو وجود علّته ، ومن المستحيل أن يتكامل معلول ، فيتجاوز كمال علّة وجوده والمرتبة التي فيها وجودها ، ومن المستحيل أن يتكامل معلول ويطوي جميع مراتب كماله الوجودي فلا ينتهي إلى مرتبة علّته ، أي لا يتّصل إلى حدّ بعده علّته « 1 » ، وإلّا لزم خلاف الفرض ، ومن المستحيل أيضا أن يلغي غاية علّة من العلل الطوليّة المجرّدة من فعلها ، إذ المفروض أنّها مجرّدة ثابتة غير متغيّرة ، ومعلولاتها إنّما صدرت عنها بهذه الحيثيّة ، وهي غير متغيّرة ، ففرض تخلّف غاياتها أو غايات معاليلها محال . ومن هذه المقدّمات يستنتج أنّ الشيء في عوده إنّما يستقرّ في مرتبة تعيّنت منها ذاته وفوقه علّته ، فكلّ شيء يعود إلى ما بدء منه ، غير أنّ بين البدو والعود فرقا من حيث إنّ العود ينشعب إلى دار سعادة ودار شقاوة ، والبدو لم ينشعب إليها ، بل هي دار سعادة فحسب ، لكن يجب أن يعلم أنّ السعادة في البدو إنّما هي السعادة العامّة
--> ( 1 ) وهذا هو معنى المقولة : « إنّ وجود المعلول لا يكون في مرتبة وجود علّته » .