السيد الطباطبائي
54
الإنسان والعقيدة
فبيّن أنّ الذي ردّ إليه الإنسان هو الحياة الدنيا ، وهو أسفل السافلين ، ثمّ وصف الحياة الدنيا فقال سبحانه : إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ « 1 » . واللعب هو الفعل الذي لا غاية له إلّا الخيال ، واللهو هو ما يشغلك بنفسه عن غيره ، فأشار إلى أنّ هذه الحياة ، وهي تعلّق النفس بالبدن وتوسيطه إيّاه في طريق كمالاته ، شاغلة له بنفسه عن غيره ؛ وذلك لأنّ ذلك يوجب أن يتوهّم الروح أنّها عين البدن لا غير ، وحينئذ ينقطع عن غير عالم الأجسام ، وينسى جميع ما كان عليه من الجمال والجلال والبهاء ، والسناء والنور ، والحبور والسرور ، قبل نشأة البدن المادية ، ولا يتذكّر ما خلفه من مقامات القرب ومراتب الزلفى والرفقة للطاهرين ، وفضاء الأنس والقدس ، فيتقلّب في أمد حياته للعب ، لا يستقبل شيئا ولا يواجهه شيء من محبوب أو محذور ، إلّا لغاية خياليّة وأمنية وهميّة إذا بلغها لم يجد شيئا موجودا . قال سبحانه : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً « 2 » . والعمل ما يعمله الإنسان من شيء ، وقال سبحانه : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ « 3 » . فبيّن أنّ أعمالهم وغاياتهم منها ، كالسراب بالقاع يقصده الضمآن ، فلمّا بلغه لم يجد ما قصده ، ووجد ما لم يقصده ، وينكشف حينها أنّ ما قصده كان غير مقصوده . وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ « 4 » . وهو الذي يشير إليه سبحانه بقوله : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ
--> ( 1 ) سورة محمّد صلّى اللّه عليه وآله : الآية 36 . ( 2 ) سورة الفرقان : الآية 23 . ( 3 ) سورة النور : الآية 39 . ( 4 ) سورة يوسف : الآية 21 .