السيد الطباطبائي

55

الإنسان والعقيدة

أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً « 1 » . فإنّ الزينة هي الشيء الجميل المحبوب بنفسه وبذاته ، يصحبه شيء آخر ، ليكسب منه الحسن ، أي يقع في القلب مع وقوع الزينة ، فيجلب الرغبة فتكون هي المقصودة والمتزيّن بها هو الواقع ، فجعل ما على الأرض زينة لها ليقصدها القاصدون ويبلغوا الأرض بقصدهم ، وهي غير مقصودة ، وقال سبحانه : أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً « 2 » الآية . فبيّن أنّها مؤلّفة من أمور خياليّة تحتها أمور حقيقيّة ، فالإنسان بعد كمال خلقته يبدأ بتكميل جهات الحياة الدنيا بتحصيل مقصد بعد آخر ، وهو يريد تكميل ما يظنّه كمالا من اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ، وليست إلّا أمورا وهميّة ، فإذا تمّمها وكمّلها بدا له بطلانها وفنائها عند موته ، ووداعه للحياة الدنيا . ومن الممكن أن يكون قوله سبحانه في ذيل الآية : وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ « 3 » الآية . معطوفا على قوله في صدر الآية لَعِبٌ الخ ، فيكون خبرا بعد خبر ، لقوله : أَنَّمَا الْحَياةُ الخ . ويؤيّد ذلك بعض التأييد الآية التالية لهذه الآية « 4 » .

--> ( 1 ) سورة الكهف : الآيتان 7 و 8 . ( 2 ) سورة الحديد : 20 . ( 3 ) سورة الحديد : الآية 20 . ( 4 ) وقد نقل عن شيخنا البهائي رضوان اللّه عليه في معنى الآية أنّ هذه الأمور مترتّبة بحسب مدارج عمر الإنسان ، فهو يشتغل أوّلا : باللعب ؛ وذلك في أوان الصبا ، ثمّ باللهو ، وهو في أوان البلوغ ، ثمّ بالزينة ، وهو عند كمال الشباب ، ثمّ بالتفاخر ، وهو عند منتصف العمر ، ثمّ بالتكاثر في الأموال والأولاد ، وهو في أوان الشيخوخة ، فهي مقسومة على مدارج عمر الإنسان » ( منه قدّس سرّه ) .