السيد الطباطبائي

48

الإنسان والعقيدة

ثمّ إنّ هذا الاقتضاء من الذات لعوارضه مقرونة في الإنسان بالعلم ، فهذا النوع يميّز الملائم عن غير الملائم بالعلم والإدراك ، ثمّ يحرّك وينحو نحو الملائم ، ويهرب عن المنافر المنافي ، وبعض الأنواع الأخر من الحيوان أيضا ، حاله حال الإنسان ، ولسنا نعلم هل حال كلّ نوع من الموجودات الجسمانيّة حال الإنسان لعدم وفاء الحسّ والتجارب ، وإن قام بعض البراهين في العلم الإلهي على أنّ العلم سار في جميع الموجودات . وبالجملة حيث كان تميّز الملائم عن غيره بالعلم والذات مقتض للملائم ، ومتأبّ عن غير الملائم ، والحركة إلى الملائم عن إرادة وعلم ، والحركة عن غير الملائم عن إرادة وعلم ، تحقّق هناك بالضرورة بالنسبة إلى الملائم صورة علميّة ذهنيّة مخصوصة . وبالنسبة إلى غير الملائم صورة أخرى مخصوصة ، وهما صورة اقتضاء الذات لأمر وصورة تأباها عن أمر ، فللاقتضاء صورة وهي وجوب الفعل في قولنا : يجب أن يفعل كذا انتزعتها النفس عن نسبة الضرورة في القضايا الحقيقيّة الخارجيّة ، ولعدم الاقتضاء صورة ، وهي حرمة الفعل أو وجوب عدمها في قولنا يحرم أو يجب أن لا يفعل كذا ، انتزعتها النفس عن نسبة الامتناع في القضايا الحقيقيّة الخارجيّة ، وللمقتضى بالبناء للمفعول صورة ، ولعدم المقتضى المتأبّى عنه بالبناء للمفعول صورة أخرى ، والظاهر أنّ النفس تنتزعها فيهما من نسبة بعض أجزاء الشخص بالنسبة إليه ، أو شخصه بالنسبة إلى شخصه . ومن نسبة عدم شخصه أو عدم بعض أجزاء شخصه بالنسبة إلى شخصه ، وهذا هو الذي يوجب الحركة إليه أو الهرب منه . وهذا المقدار من الاعتبار كالمادة الأولى بالنسبة إلى الاعتبارات التالية قاطبة ، ويسري هذا الحكم ويتكثّر أقسام الاعتبار ، ويختلف بتكثّر حوائج الإنسان واستقباله النواقص التي تصادف ذاته ، ويمكنك التحقّق بما ذكرنا واختبار الحال في ذلك بالتدبّر في حال الطفل الإنساني وتدرّجه في الحياة ، وكذلك باختيار حال بعض