السيد الطباطبائي

49

الإنسان والعقيدة

الحيوان ممّا في نوعه الاجتماع محدود ساذج ، والتميّز في أوهامه سهل يسير . ثمّ إنّ الإنسان الفرد لا يتمّ له وحده جميع كمالاته الملائمة لذاته ؛ لكونه في جميع جهات ذاته محتاجا إلى التكامل . وتفنّن احتياجاته الحيويّة مع احتفاف كلّ واحد من كمالاته بما لا يحصى من الآفات ، ولذلك فهو بالفطرة مضطرّ إلى الاجتماع والتعاون والتمدّن مع أمثاله والحياة فيهم ، حتّى يقوم كلّ فرد بجهة أو جهات معدودة من خصوصيّات كمالاتهم بما يسعه طاقته ، ويعيشوا بنحو الاشتراك ، وهاهنا وقعت الحاجة إلى التفهيم والتفهّم ، فابتدأ ذلك بالإشارة ، ثمّ كمل بالصوت ، ثمّ تمّم ذلك بتمييز الأصوات المختلفة للمقاصد المختلفة . والدليل عليه ما نشاهده في الحيوانات العجم ، فإنّ فيها دلالة على المقاصد بالأصوات وتعدادها كثرة وقلّة بالنسبة إلى اجتماعاتها كصوت الزاغ ، وصوت الفساد ، وصوت التربية وصوت الإشفاق وغير ذلك ممّا بينها ، وهذا الأمر يكتمل ثمّ يكتمل حتّى يصير اللفظ وجودا لفظيا للمعنى لا يلتفت عند استماعه إلّا إلى المعنى ، ويسري الحسن والقبح من أحدهما إلى الآخر . ثمّ إنّ اشتراك المساعي في الحياة واختصاص كلّ فرد بما يهيّئه يوجب اعتبار الملك في المختصّات ، وأصله الاختصاص ، وكذا اعتبار الزوجيّة ، واحتياج الكلّ إلى ما في أيدي الآخرين ، يوجب اعتبار التبديل في الملك والمعاملات المتنوّعة من البيع والشراء والإجارة وغيرها ، وحفظ النسبة بين الأشياء القابلة للتبديل من حيث القلّة والكثرة والابتذال والعزّة ، وغير ذلك يوجب اعتبار الفلوس والدراهم ، وهو شيء يحتفظ به نسبة الأشياء القابلة للتبديل بعضها مع بعض . ثمّ إنّ هذه التقلّبات غير المحصورة لا تخلو من وقائع جزئيّة معتدلة وأخرى يقع فيها الظلم والتعدّي والإجحاف ، فالأفراد في أخلاقها مختلفة ، والطبائع إلى التعدّي وتخصيص المنافع بنفسها ومزاحمة غيرها مجبولة ، وحينئذاك وقع الاحتياج إلى قوانين يحفظ بها الاعتدال في الاجتماع ، وإلى من يحفظ هذه القوانين ، وإلى من