السيد الطباطبائي
46
الإنسان والعقيدة
القسم من المعاني من التغيّر والتبدّل والاختلاف بحسب اختلاف أنظار العقلاء ، ما لا يتحقّق ذلك في قسم الحقائق البتّة ، فترى أمّة من النّاس تعقد على ملكيّة شيء لا يعقد عليها آخرون ، ويذعن برئاسة إنسان لا يذعن بها فيه آخرون . والحقائق لا يمكن فيها ذلك ، فالإنسان إنسان عند الكلّ ودائما ، وسواء تعقّلوا معنى أنّه إنسان أو لم يتعقّلوا ذلك . وهذه المعاني غير الحقائق ، حيث أنّها ليست في الخارج حقيقة في الذهن ، لكنّها ليست متحقّقة في الذهن بإيجاده واختلاقه إيّاها من غير استعانة بالخارج ، فإنّ الذهن يوقعها على الخارج بتوهّمها أنّها في الخارج ووقوعها على الأمور الخارجيّة على وتيرة واحدة من غير اختلاف وتغيّر من هذه الحيثيّة ، فالكلام وهو الصوت المؤلّف الدالّ على معنى بالوضع كلام ، ولا يصدق عليه الملك - مثلا - ولا الرئاسة ولا غيرها ، ولو كانت بإيجاد من الذهن من غير ارتباط واستعانة من الخارج لكانت إمّا غير صادقة على الخارج أصلا ، وإمّا واقعة على جميع ما في الخارج لاستواء النسبة مع عدم الرابطة . فثبت أنّ انتزاع الذهن إيّاها إنّما هو بالاستعانة من الخارج ، أي من المعاني الحقيقيّة التي عند الذهن ، وحيث أنّ هذا الارتباط ليس بالحقيقي لعدم تحقّقها في الخارج ، فهو وهميّ بتوهّم الذهن أنّها هي المعاني الحقيقيّة ، وهي إعطاء حدّ الأمور الخارجيّة لها . فهذه المعاني تتحقّق بإعطاء الذهن حدّ الأمور الحقيقيّة لما ليس لها ، ووضعها فيما ليست فيه ، فهي معان سرابيّة وهميّة مثلها بين المعاني مثل السراب بين الحقائق والأعيان . وهذا القسم من المعاني هو الذي نسمّيه بالاعتبارات والوهميّات ؛ فالأولى منها : خارجيّة حقيقيّة ، والثانية ذهنيّة وهميّة غير حقيقيّة . ثمّ إنّا إذا أخذنا نتأمّل الموجودات الخارجيّة الحقيقيّة ، وركّزنا التأمّل في كلّ واحد منها بالأخذ بمجموع دائرة وجوده من حين يظهر في الوجود ، ثمّ يديم بقاءه