السيد الطباطبائي
324
الإنسان والعقيدة
بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، وبتجهيزه الجواهر عرف أن لا جوهر له ، . . . ، ضادّ النّور بالظّلمة ، والجسو بالبلل ، والصّرد بالحرور ، مؤلّف بين متعادياتها ، مفرّق بين متدانياتها ، دالّة بتفريقها على مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلّفها ، وقوله عزّ وجلّ : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ « 1 » ، ففرّق بها بين قبل وبعد ، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها ، حجب بعضها عن بعض ؛ ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه غير خلقه ، كان ربّا إذ لا مربوب ، وإلها إذ لا مألوه ، وعالما إذ لا معلوم ، وسميعا إذ لا مسموع . . » . ثمّ أنشأ عليه السّلام يقول : « ولم يزل سيّدي بالحمد معروفا * ولم يزل سيّدي بالجود موصوفا » « 2 » فقد رأينا : أنّه عليه السّلام في كلماته هذه قد شرح معنى التشبيه والتنزيه في صفاته تعالى وبينهما ، أروع شرح ، وأوفى بيان . . كما وفسّر معنى تعلّق الرؤية به تعالى ، وأنّها ليست بمباشرة الحمم ، ولا باستهلاك نظرة من العين ، ولا بإدراك توصيف من العقل ، بل يرى بحقيقة الإيمان . . ويتّضح معنى قوله : « حقيقة الإيمان » من قوله : « حجب بعضها عن بعض ؛ ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه غير خلقه » ، حيث دلّ كلامه هذا على أنّ الخلق تحجبهم أنفسهم عنه تعالى . . أمّا إذا أخلص المؤمن إيمانه لربّه ثمّ أكمل الإخلاص له بنفي الصفات عنه « راجع قوله في الفصل الثاني :
--> ( 1 ) سورة الذاريات : الآية 49 . ( 2 ) توحيد الصدوق : 301 ، باب حديث ذعلب ، الحديث 2 . الكافي : 2 / 159 ، باب جوامع التوحيد ، الحديث 347 / 4 ، باختلاف يسير .