السيد الطباطبائي
301
الإنسان والعقيدة
الساطع ، وهو يأخذ بمجامع المواد في كلّ برهان يقيمه ، وحجّة يحتجّ بها . . ثمّ في دقّة ما كشف عنه من غوامض مسائل اللاهوت ، وبعد مرماه فيها . . وتفرّد كلامه في هذا المضمار ، وسموّه إلى المنزلة التي يقصر عن الاطّلاع عليها كثير من الأفهام ، دعا بعض المتعصّبين إلى إنكار صدوره كلّه ، أو أكثره منه عليه السّلام . . أو دعا بعض المحدّثين إلى أن يتمجمج في بعض كلامه عليه السّلام قائلا : إنّه لا يشبه كلامه . . مع أنّ المنقول من كلامه عليه السّلام ذو سياق واحد ، منسجم كلّ الانسجام ، مترابط كلّ الترابط يلتوي بعض أطرافه على البعض الآخر ، ويصدّق بعض أجزائه البعض الآخر . . كما أنّ أكثر كلامه عليه السّلام مرويّ مسند ، مودع في كتب التاريخ وجوامع الحديث . يضاف إلى ذلك أنّ كلامه عليه السّلام لا يشبهه شيء من كلام غيره ، فها نحن بين أيدينا الشيء الكثير من كلام غيره ، من مختلف الطبقات الفاضلة في هذه الأمّة ، كالصحابة وكبار التابعين والمتكلّمين والحكماء والعرفاء والأدباء . . والعادة قاضية بأنّ من يقدر أن يضع مثل هذا الكلام الزاخر بالعلم والحكمة والثقافة ، المهيمن على سائر الكلام ، وينسبه إلى رجل ليرفع به قدره ، ويشهر أمره - العادة قاضية - بأن يصدر منه في مختلف أحواله ، وجاري أيّامه ، ما يماثل ذلك الكلام الذي صنعه ونسبه إلى غيره . . مع أنّ مثل هذا الكلام لم ينسب ، ولا أثر عن أحد من هذه الأمّة على الإطلاق . . على أنّ من يستطيع أن يصنع مثل هذا الكلام ، والذي له هذا القدم الثابت في العلم باللّه وآياته ، كيف تطاوعه نفسه أن يحلّى بمثل هذا الكلام غيره ويعطّل نفسه ، بحيث يبقى هو مهملا ، وفي زوايا الخمول ، إلّا أن يكون مصابا في عقله ، والمصاب في عقله عن صنع مثل هذا الكلام ووضعه أعجز ، وعن الورود في شرعة هذه الفلسفة المتعالية أبعد .