السيد الطباطبائي
295
الإنسان والعقيدة
مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ « 1 » . أمّا الإمام عليه السّلام فلم تكن فضائله النفسيّة ناشئة عن تهذيب سبقه تروّ وتأمّل فكريّان ، ولم يسلّم أمره إلى هوى نفسه ، لتختار له الجهة التي عليه أن يصرف همّته فيها . . وإنّما أخذته جذبة إلهيّة ، أنسته غيره سبحانه ، وأزالت من نفسه كلّ المآرب البشريّة التي تشدّه إلى نفسه ، وتقرّبه منها ، ولم تبق منها شيئا ، وانتزعت كلّ الشهوات الغريزيّة ، التي توجّهه نحو الملذّات الآنيّة ؛ فلا شيء بعد شدّه نحو نفسه ، ولا شيء أيضا يزيّن له الشهوات والملذّات الدنيويّة ، بل كلّ همّه هو الحقّ ، والحقّ فقط ، فهو الغاية وإليه سوف تكون النهاية . . وهذا هو الذي جعله عليه السّلام يعطي كلّ موقف حقّه وهداه إلى الحقّ فالتزمه . . وكان معه ، حتّى عند اختلاف الدواعي والبواعث « 2 » . .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 4 . ( 2 ) قد ذكرنا في بحث قرآني أوردناه في كتابنا : تفسير الميزان : 1 / 351 - 357 ، تفسير الآية 155 و 156 سورة البقرة ، بتصرّف أنّ طرق تهذيب الأخلاق المشروعة ثلاث : الأوّل : طريق الحكماء الباحثين في الأخلاق ، ويتلخّص هذا الطريق : بتشخيص الأخلاق الفاضلة ، وتمييزها عن غيرها ، بواسطة ما هو شائع عند العقلاء تحسينا وتقبيحا . . أي أنّهم يستدلّون على الأخلاق الفاضلة بمدح العقلاء وثنائهم على المتخلّق بها ، وعلى الأخلاق الذميمة بذمّهم ، وزرايتهم عليه ، فإذا عرف الإنسان الأخلاق الفاضلة من غيرها ، بواسطة ذلك الميزان ، وهو تحسين العقلاء وتقبيحهم ، فما عليه إلّا أن يتخلّق بالفاضلة منها ، إيثارا للحسن العامّ الشائع والثناء الجليل . . فالحكيم الباحث في الأخلاق يقول : الشجاعة والعفّة والصدق - مثلا - أمور يستحسنها العقل ، ويمدحها النّاس ، فعلى الإنسان العاقل إذن أن يتخلّق بها إيثارا للحسن . . والكذب والنميمة والخيانة - مثلا - يقبّحها العقل ، ويذمّها النّاس ، فعلى العاقل إذن أن يتجنّبها ويبتعد عنها . الثاني : طريق الأنبياء : وهو الاستدلال على الأخلاق الفاضلة برضى اللّه سبحانه ، -