السيد الطباطبائي

294

الإنسان والعقيدة

وإنّما غرضنا من الإيماء إلى بعض صفاته ، وبعض شؤون حياته ، هو أن نلفت نظر الباحث الحصيف إلى أن يقوم ببحث نفسي وأخلاقي في جوامع صفاته عليه السّلام ، ثمّ يقيس بعضها إلى بعض ، ويقارن بينها ؛ ليستنتج أنّه كان عليه السّلام قد أوتي الكمال الحقيقي في قواه الجسميّة والروحيّة ، كما أنّه أيضا منح كلّ الكمال لنفسه ، القيّمة على إدراك الحقائق وتحصيل المعارف . . فإنّ هذا في الحقيقة هو غاية ما تشترطه الفلسفة ، وبشكل خاصّ الفلسفة الإلهيّة ، فمن يحاول أن يتناولها بالبحث والتمحيص ، ويتعرّف فيها على الحقائق ، وينال المعارف . . فإنّها لا تنشد إلّا إنسانا يبلغها نظره ، ويسعها صدره ، وتحرسها تقواه ، وينثرها بيانه ، فيما ينثر من تعاليم . . وإنّ العجيب في أمر الإمام عليّ عليه السّلام أنّه بلغ الغاية في مختلف جهات الفضائل الإنسانيّة ، فهو بحقّ الإمام في كلّ باب ، والمثال الحقّ في كلّ غاية كريمة . . على خلاف ما نجده من حال النوابغ ، وشخصيّات الأفذاذ من رجال التاريخ . إنّنا نجد الرجل إذا كان شجاعا باسلا ، شديد البأس ، رابط الجأش ، لا تزعزعه الأهوال ، ولا تروّعه مقارعة الأبطال - نجده عادة - قصير الباع في التدبير والتفكير ، قليل الحظّ من الرأفة والرقّة . ونجد الرجل العابد المتزهّد المتورّع ، مغرقا في الزهد والعبادة ، وعارفا بسبل رياضة بدنه ، ومجاهدة نفسه ، ولكنّه قاصر في سياسة الدولة وإدارة الأمّة ، لا يقوى على تمييز النصيحة من الخديعة ، ولا يلتفت إلى المكائد ولطائف الحيل . . وهكذا ، في مختلف الموارد ، وسائر الأفراد ، فإنّك لا تكاد تجد من يجمع أكثر الصفات والخصال الحميدة فضلا عن كلّها ، وليس ذلك إلّا لأنّ النفس الإنسانيّة تمتلك قدرا محدودا من الهمّة ، فإذا اجتمعت الهمّة على أمر ، ضعفت بطبيعة الحال في سائر الأمور الأخرى ، وإذا وزّعتها على مقاصد شتّى ، وقسّمتها بينها ضعف الجميع ، ولم يكن الوصول في الكلّ إلى درجة الكمال المطلوب ؛ إذ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ