السيد الطباطبائي
273
الإنسان والعقيدة
مرزوق للأولياء في الدنيا ، وفيها اللحوق بإمامهم . وهذا المقام الذي عرفت أنّه أجلّ من المقام ، قد عبّر عنه الأئمّة في الأخبار المستفيضة النافية للصفات ، فللأولياء من الأمّة اللحوق بهم بنحو الوراثة في ذلك ، فافهم . ومن المواهب سيرهم في خلال العوالم المتوسّطة بينهم في الدنيا وبين ربّهم عزّ اسمه كما مرّ . ففي البحار : عن إرشاد الديلمي ، وذكر سندين لهذا الحديث ، وفيه : « قال اللّه تعالى : يا أحمد ، هل تدري أيّ عيش أهنى ، وأي حياة أبقى ؟ قال : اللّهمّ لا ، قال : أمّا العيش الهنيء فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ، ولا ينسى نعمتي ، ولا يجهل حقّي ، يطلب رضاي في ليله ونهاره . أمّا الحياة الباقية ، فهي التي يعمل لنفسه ، حتّى تهون عليه الدنيا ، وتصغر في عينه [ عينيه ] ، وتعظم الآخرة عنده ، ويؤثر هواي على هواه ، ويبتغي مرضاتي ، ويعظّم حقّ عظمتي ، ويذكر عملي به ، ويراقبني بالليل والنهار عند كلّ سيّئة أو معصية ، وينقّي قلبه عن كلّ ما أكره ، ويبغض الشيطان ووساوسه ، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا وسبيلا . فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّا ، حتّى أجعل قلبه لي ، وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي ، وأفتح عين قلبه وسمعه ، حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي ، وأضيق عليه الدنيا ، وأبغّض إليه ما فيها من اللذّات ، وأحذّره من الدنيا وما فيها ، كما يحذر الراعي [ على ] غنمه من مراتع الهلكة ، فإذا كان هكذا ، يفرّ من النّاس فرارا ، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن . يا أحمد ، ولأزيّنّنه بالهيبة والعظمة ، فهذا هو العيش الهنيء ، والحياة الباقية ، وهذا مقام الراضين .