السيد الطباطبائي
274
الإنسان والعقيدة
فمن عمل برضاي ، ألزمه ثلاث خصال : أعرّفه شكرا لا يخالطه الجهل ، وذكرا لا يخالطه النسيان ، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين ، فإذا أحبّني أحببته ، وأفتح عين قلبه إلى جلالي ، ولا أخفي عليه خاصّة خلقي ، وأناجيه في ظلم الليل ونور النهار ، حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين ، ومجالسته معهم ، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي ، وأعرّفه السرّ الذي سترته عن خلقي ، وألبسه الحياء ، حتّى يستحيي منه الخلق كلّهم ، ويمشي على الأرض مغفورا له ، وأجعل قلبه واعيا وبصيرا ، ولا أخفي عليه شيئا من جنّة ولا نار ، واعرّفه ما يمرّ على النّاس في يوم القيامة من الهول والشدّة ، وما أحاسب الأغنياء والفقراء ، والجهّال والعلماء ، وأنوّمه في قبره ، وأنزل عليه منكرا ونكيرا حتّى يسألاه ، ولا يرى غمرة الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطّلع . ثمّ أنصب له ميزانه ، وأنشر ديوانه ، ثمّ أضع كتابه في يمينه ، فيقرؤه منشورا ، ثمّ لا أجعل بيني وبينه ترجمانا ، فهذه صفات المحبّين . يا أحمد ، اجعل همّك همّا واحدا ، واجعل لسانك لسانا واحدا ، واجعل بدنك حيّا لا تغفل عني ، من يغفل عنّي ولا أبالي بأيّ واد هلك » « 1 » - الحديث . وفي البحار : عن الكافي ، والمعاني ، ونوادر الراوندي بأسانيد مختلفة ، عن الصادق ، والكاظم عليهما السّلام ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، واللفظ المنقول هاهنا كما عن الكافي ، قال : « استقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري ، فقال له : كيف أنت يا حارثة بن مالك النعماني ؟ فقال : يا رسول اللّه ، مؤمن حقّا . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : لكلّ شيء حقيقة ، فما حقيقة قولك ؟ فقال : يا رسول اللّه ، عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ،
--> ( 1 ) بحار الأنوار : 74 / 28 ، أبواب المواعظ والحكم - باب 2 : مواعظ اللّه عزّ وجلّ في سائر الكتب السماويّة ، الحديث 6 . إرشاد القلوب : 1 / 204 ، الباب الرابع والخمسون : فيما سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ربّه ليلة المعراج .