السيد الطباطبائي

265

الإنسان والعقيدة

وقد أفاد في قوله سبحانه : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ « 1 » ، أنّ الملكوت هي عالم الأمر ، وهو العالم العلو . وفي الحديث : « لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض » « 2 » . ومن الشاهد على أنّ اليقين يعقّبه اللّه سبحانه بذلك ، قوله تعالى : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ « 3 » ، وقوله : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 4 » .

--> ( 1 ) سورة يس : الآيتان 82 - 83 . ( 2 ) بحار الأنوار : 60 / 332 ، باب 3 - إبليس لعنه اللّه وقصصه ، وبدء خلقه ، ومكائده ، المسألة الثامنة ، الحديث 177 . ( 3 ) سورة التكاثر : الآيات 5 - 7 . ( 4 ) سورة المطفّفين : الآية 14 . ويستفاد من الآية الشريفة أنّ مشاهدة آيات اللّه المستورة عن أعين غير أهل اليقين ، المضروب عليها بالغطاء والحجاب ، إنّما هي بعين القلب دون عين الحسّ البدني ، فللقلب عين ، كما أنّ له سائر الأعضاء الحسّاسة . وفي هذا المعنى آيات كثيرة في كتاب اللّه ، كقوله عزّ وجلّ : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ سورة يس : الآية 9 . وقوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ سورة البقرة : الآية 171 . وقوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ سورة الحجّ : الآية 46 . وهذه الآية تفسّر المراد بالعين والأذن وغيرهما ، أنّ المراد بهنّ جميعا في باب الهداية والضلالة ، إنّما هي جوارح القلب والباطن دون الجسم المحسوس الظاهر . ومن هذا الباب سائر المعاني المصرّح بها في حقّ المهتدين والضالّين ، كقوله : -